الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه

جزء التالي صفحة
السابق

568 529 - مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله : إذا مات فحرقوه ثم أذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به فأمر الله البر فجمع ما فيه ثم قال : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب وأنت أعلم قال : فغفر له " .

[ ص: 365 ]

التالي السابق


[ ص: 365 ] 11899 - قد ذكرنا اختلاف الرواية عن مالك في رفع هذا الحديث وتوقيفه في ( التمهيد ) والصواب رفعه ، لأن مثله لا يكون رأيا ، وقد ذكرنا في ( التمهيد ) طرقا كثيرة لحديث أبي هريرة هذا .

11900 - وذكرنا من رواه معه من الصحابة رضي الله عنهم .

11901 - وفي رواية أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال : قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد . . " ، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل ، والأصول كلها تعضدها والنظر يوجبها ، لأنه محال أن يغفر الله للذين يموتون وهم كفار لأن الله عز وجل قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به وقال : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " الأنفال 38 ، فمن لم ينته عن شركه ومات على كفر لم يك مغفورا له قال الله عز وجل : " وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار " النساء : 18 .

11902 - وأما قوله : لم يعمل حسنة قط ، وقد روي : لم يعمل خيرا قط أنه لم يعذبه إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير ، بدليل حديث أبي رافع المذكور .

11903 - وهذا شائع في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض وقد يقول العرب : لم يفعل كذا قط يريد الأكثر من فعله .

[ ص: 366 ] 11904 - ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يضع عصاه عن عاتقه " يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيرا لا أن عصاه كانت ليلا ونهارا على عاتقه .

11905 - وقد فسرنا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا هذا .

11906 - والدليل على أن الرجل كان مؤمنا قوله حين قال له : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب ، والخشية لا تكون إلا لمؤمن يصدق ، بل ما تكاد تكون إلا من مؤمن عالم قال الله تعالى : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " فاطر 28 .

11907 - قالوا : كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه ، ويستحيل أن يخاف من لا يؤمن به .

11908 - وقد ذكرنا من الآثار في ( التمهيد ) ما يوضح ما قلنا وبالله توفيقنا .

11909 - وأما قوله : " لئن قدر الله علي " فقد اختلف العلماء في ذلك .

11910 - فقال بعضهم : هذا رجل جهل بعض صفات الله تعالى وهي القدرة ، قالوا : ومن جهل صفة من صفات الله ( عز وجل ) وآمن به وعلم سائر صفاته أو أكثر صفاته لم يكن بجهله بعضها كافرا ، وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله .

11911 - والشواهد على هذا من القرآن كثيرة قد ذكرناها في باب عبد الله بن دينار من ( التمهيد ) .

[ ص: 367 ] 11912 - ومنها قول الله ( عز وجل ) : " ياأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون " آل عمران 70 .

11913 - وقال : " ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون " آل عمران .

11914 - وقال : " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " آل عمران 75 .

11915 - وقال : " فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " البقرة 2 .

11916 - وقال : " وإذ قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم " { الصف : 5 } .

11917 - وقال : " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " { النمل : 14 } .

11918 - فهذا هو الكفر المجتمع عليه في الاسم الشرعي والاسم اللغوي .

11919 - والدليل على أن من جهل صفة من صفات الله تعالى لا يكون بها كافرا إذا كان مصدقا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر وغيره سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القدر ، ومعناه قدم العلم أنه مكتوب عنده ما سبق في علمه ، وفي ذلك يجري خلفه ، لا فيما يستأنف ، بل ما قد جف به القلم وكل صغير وكبير مسطر في اللوح المحفوظ فأعلمهم أنه ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم [ ص: 368 ] ومعلوم أنهم في حين سؤالهم وقبله كانوا مؤمنين .

11920 - وقد ذكرنا الآثار بهذا المعنى عنهم في ( التمهيد ) .

11921 - ولا يسع مسلما أن يقول فيه غير ذلك ولو كان لا يسعه جهل صفة من صفات الله تعالى ، وهي قدم العلم لعلمهم بذلك مع الشهادة بالتوحيد ويجعله عمودا سادسا للإسلام .

11922 - وقال آخرون : أراد بقوله " لئن قدر الله علي " أي : لئن كان قدر الله عليه ، والتخفيف في هذه اللفظة والتشديد سواء في اللغة فقدر هنا عند هؤلاء من القدر الذي هو الحكم وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء ، وهو مثل قوله ( عز وجل ) : " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه " الأنبياء 87 .

11923 - وللعلماء في تأويل هذه اللفظة في هذه الآية قولان ، أحدهما : أنها من التقدير والقضاء ، والآخر : أنها من التقتير والتضييق .

11924 - وقد ذكرنا من شواهد الشعر العربي على الوجهين جميعا في ( التمهيد ) ما فيه كفاية .

[ ص: 369 ] 11925 - والمعنى في قول هؤلاء والله أعلم : لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي ولم يغفر لي وجازاني على ذنوبي ليكونن ما ذكر .

11926 - والوجه الآخر كأنه قال : لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبنني على ذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري .

11927 - وهذا منه خوف ويقين وإيمان وتوبيخ لنفسه وخشية لربه وتوبة على ما سلف من ذنوبه .

[ ص: 370 ] 11928 - هذا كله لا يكون إلا لمؤمن مصدق مؤمن بالبعث والجزاء .

11929 - وفي القدر لغتان مشهورتان قدر الله ( بالتشديد ) وقدر الله ( بالتخفيف ) .

11930 - ذكره ابن قتيبة عن الكسائي ، وذكره ثعلب وغيره .

11931 - وقد ذكرناه والشواهد عليه في ( التمهيد ) والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث