الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إن استحيضت المعتادة

جزء التالي صفحة
السابق

وإن استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها ، وإن كانت ، وعنه : يقدم التمييز ، وهو اختيار الخرقي ، وإن نسيت العادة ، عملت بالتمييز ، فإن لم يكن لها تمييز ، جلست غالب الحيض ، وعنه : أقله . وقيل : فيها الروايات الأربع ، وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها ، جلستها من أول كل شهر في أحد الوجهين ، وفي الآخر تجلسها بالتحري ، وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز ، وإن علمت أيامها في وقت من الشهر ، كنصفه الأول ، جلستها فيه إما من أوله أو بالتحري على اختلاف الوجهين ، وإن علمت موضع حيضها ، ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين ،

التالي السابق


( وإن استحيضت المعتادة ) وهي التي تعرف شهرها ووقت حيضها منه ، وطهرها ، وشهرها عبارة عن المدة التي ترى فيه حيضا ، وطهرا ، وأقله أربعة عشر يوما على المذهب ، وغالبه الشهر المعروف ( رجعت إلى عادتها ) إلى القسم الأول ، وهي ما إذا كانت ذاكرة لعادتها ، وهي غير متميزة ، أو يكون الدم الذي يصلح للحيض ينقص عن أقله ، أو يزيد على أكثره ، فهذه تجلس قدر عادتها ، ثم تغتسل بعدها ، وتتوضأ لوقت كل صلاة ، وتصلي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي ، وصلي متفق عليه .

واعلم أن العادة على ضربين : متفقة ، ومختلفة ، فالمتفقة : أن تكون أياما [ ص: 278 ] متساوية ، كسبعة في كل شهر ، فإذا استحيضت جلستها فقط ، والمختلفة قسمان : إما أن تكون على ترتيب ، مثل أن ترى في شهر ثلاثة ، وفي الثاني أربعة ، وفي الثالث خمسة ، ثم تعود إلى مثل ذلك ، فهذه إذا استحيضت في شهر ، فعرفت نوبته عملت عليه ، وإن نسيت نوبته جلست الأول ، وهو ثلاثة ، ثم تغتسل ، وتصلي بقية الشهر ، وإن علمت أنه غير الأول ، وشكت هل هو الثاني أو الثالث جلست أربعة ، لأنها اليقين ، ثم تجلس في الشهرين الأخيرين ثلاثة ثلاثة ، وفي الرابع ، ثم تعود إلى الثلاثة كذلك أبدا ، ويكفيها غسل واحد ، عند قضاء المدة التي جلستها كالناسية ، وصحح في " المغني " و " الشرح " أنه يجب عليها الغسل أيضا عند مضي أكثر عادتها ، وإما أن يكون على غير ترتيب ، مثل أن تحيض في شهر ثلاثة ، وفي الثاني خمسة ، وفي الثالث أربعة ، فإن أمكن ضبطه بحيث لا يختلف فهو كالأول ، وإن لم يمكن ضبطه جلست الأقل من كل شهر ، واغتسلت عقيبه ، وذكر ابن عقيل أنها تجلس أكثر عادتها في كل شهر كالناسية للعدد ، وبعده المؤلف رحمه الله إذ فيه أمرها بترك الصلاة ، وإسقاطها عنها مع يقين الوجوب ، بخلاف الناسية لا نعلم عليها صلاة واجبة يقينا ، والأصل بقاء الحيض ، ثم أشار إلى الثاني ، وهو إذا اجتمعت العادة ، والتمييز بقوله : ( وإن كانت ) أي : تقدم العادة عليه في ظاهر كلام أحمد ، وأكثر الأصحاب ، وجزم به في " الوجيز " لما روت أم حبيبة : أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدم فقال لها : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي ، وصلي [ ص: 279 ] رواه مسلم . وهو عام في كل مستحاضة ، ولأن العادة أقوى لكونها لا تبطل دلالتها بخلاف اللون ، فإنه إذا زاد على أكثر الحيض فإنه تبطل دلالته .

( وعنه : يقدم التمييز ) على العادة بشرطه ( وهو اختيار الخرقي ) وقدمه في " الرعاية " لقوله عليه السلام لفاطمة : فإنه أسود يعرف ، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة ولأن صفة الدم أمارة قائمة به ، والعادة بخلافه ، ولأنه خارج يوجب الغسل ، فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني ، وغيره ، وظاهره لا فرق بين أن يكون أكثر من العادة أو أقل ، ويصلح أن يكون حيضا فلو اتفقت العادة ، والتمييز عمل بهما .

ويتفرع على الخلاف مسائل :

منها : إذا كان حيضها خمسة أيام في كل شهر ، فاستحيضت ، وصارت ترى ثلاثة أيام دما أسود في أول كل شهر ، فمن قدم العادة ، قال : تجلس الخمسة كما كانت قبل الاستحاضة ، ومن قدم التمييز قال : تجلس الثلاثة التي فيها الأسود في الشهر الثاني .

ومنها : إذا كان حيضها سبعا من أول كل شهر فاستحيضت ، وصارت ترى سبعة أسود ، ثم يصير أحمر ، ويتصل ، فالأسود حيض عليهما ، لموافقته العادة ، والتمييز ، وإن رأت مكان الأسود أحمر ، ثم صار أسود ، وعبر ، سقط حكم الأسود لعبوره أكثر الحيض ، وحيضها الأحمر لموافقته العادة ، وإن رأت [ ص: 280 ] مكان العادة أحمر ، ثم رأت خمسة أسود ، ثم صار أحمر ، واتصل ، فمن قدم العادة أجلسها أيامها ، ومن قدم التمييز جعل الأسود وحده حيضا .



( وإن نسيت العادة ) هذا هو القسم الثالث من أقسام المستحاضة ، وهي التي لها تمييز وعادة ، وقد أنسيتها ( عملت بالتمييز ) بشرطه لما سبق من حديث فاطمة ، وظاهره لا فرق بين أن يكون المتميز متفقا مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود ، ثم يصير أحمر ، ويعبر أكثر الحيض ، أو مختلفا ، مثل أن ترى في كل شهر ثلاثة أسود ، ثم يصير أحمر ، ويعبر أكثر الحيض أو مختلفا مثل أن ترى في الأول خمسة أسود ، وفي الثاني أربعة ، وفي الثالث ثلاثة ، أو بالزيادة فيهما ، فالأسود حيض على كل حال ، وظاهره لا يعتبر فيه تكرار ، وهو كذلك على المذهب ، وذكر في " الرعاية " : فيها الروايات الأربع .



( فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض ) هذا هو القسم الرابع من أقسام المستحاضة ، وهي الناسية للعادة ولا تمييز لها ، ولها ثلاثة أحوال ، أحدها : أن تكون ناسية لوقتها وعددها ، وهذه تسمى المتحيرة ، لأنها قد تحيرت في حيضها ، وحكمها أن تجلس غالب الحيض في ظاهر المذهب ، اختاره الخرقي ، وجزم به في " الوجيز " وقدمه غير واحد لحديث حمنة بنت جحش ، ولأنه لم يستفصلها : هل هي مبتدأة أو ناسية ؛ ولو افترق الحال لسألها ، وكونها ناسية أكثر ، فإن حمنة امرأة كبيرة ، قاله أحمد ، ولم يسألها عن تمييزها ولا عادتها ، فلم يبق إلا أن تكون ناسية - فعلى هذا إن كانت تعرف شهرها جلست ذلك منه ، لأنه عادتها فترد إليها كما ترد المعتادة إلى عادتها ، إلا أنه متى كان شهرها أقل من عشرين يوما ، لم تجلس منه أكثر من الفاضل عن ثلاثة عشر يوما أو خمسة عشر لئلا [ ص: 281 ] ينقص الطهر عن أقله ، وإن لم تعرف شهرها جلست من الشهر المعتاد للخبر ، ولأنه غالب عادات النساء ، فالظاهر أنه حيضها ، وتجتهد في الست والسبع ، فما غلب على ظنها جلسته ، صححه في " المغني " وغيره ، وذكر القاضي في موضع : أنها تخير بينهما ، كالوطء فيه يتخير في التكفير بين دينار ونصفه ، لأن " أو " للتخيير ، وأجيب عنه : بأنها قد تكون للاجتهاد لقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء [ محمد 4 ] ، و " إما " كـ " أو " ، ولم يعرض لوقت إجلاسها ، وفيه وجهان ، والأشهر أنه من أول كل شهر ( وعنه : أقله ) لأنه اليقين ، وما زاد مشكوك فيه ، فلا تدع العبادة لأجله ، وجعله في " الكافي " مخرجا ، وليس كذلك ، بل هو منصوص عليه .

( وقيل : فيها الروايات الأربع ) لو اقتصر في حكاية هذا القول على الروايتين الأخريين لكان أولى ، ولهذا قال القاضي : يتخرج فيها الروايتان الأخريان كالمبتدأة ، لأن بنسيان العادة صارت عادمة لها ، فهي كمن عدمت العادة ، وهي تجلس عادة نسائها ، والأكثر والمشهور انتفاؤهما ، وظاهره أن استحاضتها لا تحتاج إلى تكرار ، وهو الأصح ، وحكى القاضي وجها أنها لا تجلس شيئا ، بل تغتسل لكل صلاة ، وتصلي ، وتصوم ، ويمنع الزوج من وطئها ، وتقضي الصوم الواجب .



( وإن علمت عدد أيامها ، ونسيت موضعها ) هذا هو الحال الثاني من أحوال الناسية ، وهي تنقسم إلى قسمين : أحدهما أن تعلم العدد ، ولا تعلم الوقت أصلا ، مثل أن تعلم أن حيضها خمسة أيام مثلا من النصف الأول ( جلستها من أول كل شهر ) هلالي ( في أحد الوجهين ) اختاره الأكثر ، وجزم به في " الوجيز " ولم يفرقوا ، لأنه عليه السلام جعل حيض حمنة من أول الشهر ، والصلاة في بقيته ، [ ص: 282 ] ولأن دم الحيض جبلة ، والاستحاضة عارضة ، فإذا رأته وجب تغليب دم الحيض ، وقيل : تجلس في تمييز لا يعتد به إن كان ، لأنه أشبه بدم الحيض ، وهو ظاهر كلام ابن تميم ( وفي الآخر : تجلسها بالتحري ) قيل : هو الصواب ، وفيه نظر ، لأنه عليه السلام ردها إلى الاجتهاد في العدد فكذا في الوقت ، ولأنه لا أثر للهلال في أمر الحيض بوجه ، وذكر المجد وغيره : إن ذكرت أول الدم ، كمعتادة انقطع حيضها أشهرا ، ثم جاء الدم خامس يوم من الشهر مثلا ، واستمر ، وقد أنسيت العادة ، فالوجهان الأخيران . والثالث : تجلس مجيء الدم من خامس كل شهر ، وهو ظاهر كلام أحمد ، لأنه عليه السلام أمر حمنة ابتداء بجلوس ست أو سبع ، ثم تصوم ، وتصلي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين ، وقال : فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ، وكما يطهرن وليس حيض النساء عند رءوس الأهلة غالبا ، ومتى تعذر التحري بأن يتساوى عندها الحال ، ولم تظن شيئا ، أو تعذر الأولية ، عملت بالآخر ، وقال ابن حامد ، والقاضي : إذا علمت قدر عادتها وجهلت موضعها بأن قالت : حيضتي أحد أعشار الشهر ، فإنها لا تترك الصوم ولا الصلاة ، وعليها أن تغتسل كلما مضى قدر عادتها ويمنع وطؤها ، وتقضي من الصوم الواجب بقدرها ، وكذا الطواف ، وعنه : لا تجلس شيئا .

( وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز ) يعني أن فيهما الوجهين اللذين ذكرهما من لا عادة لها ولا تمييز تشارك من نسيت موضع حيضها في تعذر الجلوس في زمن محقق ، فوجب أن يثبت لها حكمها ، لأن الاشتراك يوجب المساواة ، وفيها وجه آخر ، والمذهب كما جزم به في " الوجيز " أنها تجلس في [ ص: 283 ] أول الشهر ( وإن علمت أيامها في وقت من الشهر كنصفه الأول ) هذا هو القسم الثاني ، وهي أن تعلم أنها كانت تحيض أياما معلومة من العشر الأول ( جلستها ) أي : الأيام ( فيه ) أي : من ذلك الوقت دون غيره ، لأن ما عداه طهر بيقين ( إما من أوله ) وصححه جمع ( أو بالتحري على اختلاف الوجهين ) المتقدم ذكرهما فيمن نسيت موضع حيضها .

ثم اعلم أنه لا يخلو عدد أيامها ، إما أن يكون زائدا على نصف ذلك الوقت ، أو يكون نصف المدة فأقل ، أما الأول : فإنك تضم الزائد إلى مثله مما قبله ، فهو حيض بيقين ، فإذا قالت : حيضتي سبعة أيام من العشر الأول ، فقد زادت يومين على نصف الوقت ، فتضمها إلى مثلها ، فيصير لها أربعة أيام حيضا بيقين ، وهي من أول الرابع إلى آخر السابع ، ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها من أول العشر ، أو بالتحري ، فيكون ذلك حيضا مشكوكا فيه ، وحكمه كالمتيقن في ترك العبادات ، ويبقى لها ثلاثة أيام طهرا مشكوكا فيه ، حكمه كالمتيقن في وجوب العبادات ، وسائر الشهر طهر . وأما الثاني : فليس لها حيض بيقين ، لأنها متى كانت تحيض خمسة أيام ، احتمل أن يكون الخمسة الأولى ، وأن تكون الثانية ، وأن يكون بعضها من الأولى ، وباقيها من الثانية ، فحينئذ تجلسها على الخلاف ، ولا يعتبر التكرار في الناسية ، صرح به في " المغني " و " الشرح " لأنها عرفت استحاضتها في الشهر الأول ، فلا معنى للتكرار .



[ ص: 284 ] ( وإن علمت موضع حيضها ، ونسيت عدده ) هذا هو الحال الثالث من أحوال الناسية ، وهي الناسية لعددها دون وقتها ( جلست فيه ) أي : في ذلك الموضع دون غيره ، كمن تعلم أن حيضها في العشر الأول ، فهي في قدر ما تجلسه كالمتحيرة ، فإنها تجلس ( غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين ) المنصوصتين ، والأكثر ، وعادة نسائها على المخرجتين ، والصحيح أنها تجلس الغالب من العشر ، وهل هو من أوله أو بالتحري ؛ على الخلاف ، فإذا علمت ابتداءه بأن قالت : حيضي كان من أول يوم من الشهر ، فذلك اليوم حيض يقينا ، فإن قلنا برواية الأقل ، لم يزد عليه ، وإن قلنا بالغالب جلست تمامه من النصف الأول ، فيكون حيضا مشكوكا فيه ، وبقية النصف طهر مشكوك فيه ، قال القاضي في شرحه : تغتسل عقيب اليوم ، ثم تغتسل لكل صلاة إلى الخامس عشر ، ولا يأتيها زوجها ، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر ، وإن علمت آخره ، بأن قالت : كان آخر حيضتي مع آخر الشهر ، ولا أعلم أوله ، فاليوم الأخير حيض بيقين ، ويكتفى به على الأقل ، وعلى الغالب تضيف إليه من النصف الأخير تمام ست أو سبع ، فيكون حيضا مشكوكا فيه ، وبقية النصف طهرا مشكوكا فيه ، وقال القاضي : من أول النصف الثاني إلى التاسع والعشرين طهر مشكوك فيه ، تصوم ، وتصلي ، وتقضي الصوم ، وتتوضأ لكل صلاة من غير غسل ، ولا يقربها زوجها ، وإن جهلت طرفي حيضها بأن قالت : كنت أول يوم من الشهر حائضا لا أعلم هل هو طرف الحيضة أو وسطها ، ولا أعلم هل هو كلها أو بعضها ، فاليوم الأول حيض يقينا ، والسادس عشر طهر يقينا ، وبقية النصف مشكوك فيه . فعلى الأقل تجلسه فقط ، [ ص: 285 ] وعلى الغالب تضيف إليه تمام ست أو سبع ، إن قلنا : تجلس من أول الشهر أو بالتحري .

مسألة : إذا ذكرت الناسية عادتها ردت إليها ، والمعتادة كما تقدم من علمت أيام حيضها وطهرها ، فإن جهلتهما ، أو الطهر وحده ردت إلى الشهر الهلالي عملا بالغالب ، ولأن تركها لعارض النسيان ، وقد زال ، وإن تبين أنها تركت الصلاة في غير عادتها لزمها إعادتها ، وقضاء ما فعلته من الصوم الواجب ، ونحوه في عادتها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث