الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ومن فاتته لزمه قضاؤها ، على الفور مرتبا ، قلت أو كثرت ، فإن خشي فوات الحاضرة ، أو نسي الترتيب ، سقط وجوبه .

التالي السابق


( ومن فاتته صلوات ) بعذر أو غيره ( لزمه قضاؤها ) وفاقا ، وقال بعض الظاهرية : إن غير المعذور لا يقضي ، واختاره الشيخ تقي الدين ، وحكاه ابن كج عن ابن [ ص: 355 ] بنت الشافعي ، وحكمته التغليظ عليه ( على الفور ) في المنصوص إن لم يتضرر في بدنه أو معيشة يحتاجها ، نص عليه ، لما روى أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها متفق عليه ، ولفظه للبخاري ، وفي رواية من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها رواه الدارقطني بإسناد فيه ضعف ، فأمر بالصلاة عند الذكر ، والأمر للوجوب ، وإنما تحول عليه السلام بأصحابه لما ناموا ، وقال : إن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان ، لأنه سنة كفعل سنة قبل الفرض ، وقيل : لا يجب القضاء على الفور ، وعلى الأول يجوز التأخير لفرض صحيح ، كانتظار رفقة أو جماعة للصلاة ( مرتبا ) على الأصح ، لما روى جابر عن عمر بن الخطاب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته صلاة العصر يوم الخندق ، فصلاها بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب متفق عليه ، وعن ابن عمر مرفوعا : من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام ، فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي ، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام رواه أبو بكر ، ، وأبو يعلى الموصلي بإسناد حسن ، ولأنها مؤقتات ، فوجب الترتيب فيها كالمجموعتين ، ولأن القضاء يحكي الأداء ، فظاهره يختص بحالة العذر .

وجوابه : أنه إذا وجبت الفورية ، والترتيب على المعذور ، فغيره أولى ، وإنما قيده بالنسيان ، لأنه قد خرج على سبب ، وعنه : لا يجب الترتيب ، قاله في " المبهج " : لأن كل واحد عبادة مستقلة ، والأداء إنما كان واجبا في الأول لضرورة الوقت كالصوم ، وأسقط القاضي في موضع الفورية ، والترتيب فيما زاد على خمس ، وعلى الأول : الترتيب شرط لصحتها ، فلو أخل به لم يصح [ ص: 356 ] كالركوع ، والسجود قال في " الفروع " : ويتوجه احتمال يجب الترتيب ، ولا يعتبر للصحة .

مسألة : يستحب أن يصلي الفائتة جماعة ، ومن شك فيما عليه من الصلاة ، فإن شك في زمن الوجوب قضى ما يعلم وجوبه ، وإن شك في الصلاة بعد الوجوب قضى ما يعلم به براءة ذمته ، نص عليه .

( قلت ) الفوائت ( أو كثرت ) لأن الترتيب واجب ، فلم يسقط بالكثرة ، كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها ، لكن إذا قلت الفوائت قضاها بسننها ، وإن كثرت فالأولى الاقتصار على الفرض لفعله عليه السلام يوم الخندق ، واستثنى أحمد سنة الفجر ، وقال : لا يهملها ، وقال في الوتر : إن شاء قضاه ، وإن شاء فلا ، ونقل مهنا : يقضي سنة الفجر لا الوتر ؛ لأنه دونها ، وأطلق القاضي ، وغيره : يقضي السنن والوتر كما يقضي غيره من الرواتب ، نص عليه ، ولا يصح نفل مطلق على الأصح لتحريمه ، كأوقات النهي ، وكذا يتخرج في النفل المبتدأ بعد الإقامة أو عند ضيق وقت المؤداة مع علمه بذلك ، وتحريمه .

فائدة : قال الشيخ تقي الدين : إن عجز فمات بعد التوبة غفر له ، قال : ولا تسقط بحج ، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة ، ولا غير ذلك .

( فإن خشي فوات الحاضرة ) سقط وجوب الترتيب في الصحيح المشهور في المذهب ، لئلا تصيرا فائتتين ، وفعل الحاضرة آكد بدليل أنه يقتل بتركها بخلاف الفائتة ، ولأن ترك الترتيب أيسر من ترك الوقت ، وعنه : لا يسقط ، اختاره الخلال ، لأنه ترتيب فلم يسقط بضيق الوقت كترتيب الركوع ، والسجود ، ونقل [ ص: 357 ] ابن منصور : إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتسع لها وقت الحاضرة صلى الحاضرة في أول وقتها ، وهي اختيار أبي حفص ، وصححه في " المغني " لأنه إذا لم يكن بد من الإخلال بالترتيب ، ففعلها في أول الوقت لتحصل فضيلة الوقت والجماعة أولى ، ولأن فيه مشقة ، فإنه يتعذر معرفة آخر الوقت في حق أكثر الناس ، فعلى الأول : المراد بفوات الحاضرة ضيق وقتها حتى لا يتسع لفعلهما جميعا ، وقيل : ما لا يتسع لفعل الفائتة ، وإدراك الحاضرة ، وهل خروج وقت الاختيار كخروج الوقت ؛ فيه وجهان ، ولا يشتغل عن الحاضرة بالقضاء ، فإن خالف ، وقضى صح ، نص عليه ، لا نافلة في الأصح ، وظاهره لا فرق بين الحاضرة أن تكون جمعة أو غيرها ، فإن خوف فوت الجمعة ، كضيق الوقت في سقوط الترتيب ، نص عليه ، فيصلي الجمعة قبل القضاء ، وعنه : لا يسقط . قال جماعة : لكن عليه فعل الجمعة في الأصح ، ثم يقضيها ظهرا ، فإن كان الذي عليه الفائتة الإمام في الجمعة ، وصلاها مع ذكره ، فإن سقط الترتيب لضيق الوقت صحت الجمعة ، وقضى ما عليه ، وإن قلنا : لا يسقط أعاد الجمعة إن كان الوقت باقيا ، فإن ذكر الفائتة قبل إحرامه بالجمعة استناب فيها ، وقضى الفائتة ، فإن أدرك الجمعة مع نائبه ، وإلا صلى ظهرا ، وإن لم يفعل ، وصلى بهم فعلى الخلاف ، وقيل : يلزمه أن يقضي ، ثم يأتي بما يدرك به الجمعة ، وهو أشبه ( أو نسي الترتيب ) بين فوائت حال قضائها ، أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ منها ( سقط وجوبه ) وليس عليه إعادة ، نص عليه في رواية الجماعة لقوله عليه السلام عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان ولأن المنسية ليس عليها أمارة ، فجاز أن يؤثر فيها النسيان ، كالصيام ، وعنه : لا تسقط مع النسيان كالمجموعتين ، وجوابه أنه لا يتحقق فيهما إذ لا بد [ ص: 358 ] من نية الجمع ، وهو متعذر مع النسيان ، وظاهره لا فرق بين أن يكون ذكر الفائتة ، ثم نسيها ، أو لم يسبق لها ذكر ، وأنه لا يسقط الترتيب بخشية فوات الجماعة في الحاضرة على الأصح ، ولا بالجهل بوجوبه في الأصح ، لأنه نادر ، ولأنه اعتقد بجهله خلاف الأصل ، وهو الترتيب ، فلم يعذر . فلو صلى الظهر ، ثم الفجر جاهلا ، ثم صلى العصر في وقتها ، صحت عصره لاعتقاده لا صلاة عليه ، كمن صلاها ، ثم تيقن أنه صلى الظهر بلا وضوء ، أعاد الظهر ، وإن نسي ظهرا وعصرا من يومين وجهل السابقة فعنه : يبدأ بالظهر ، ثم بالعصر اعتبارا بالترتيب الشرعي ، وعنه : يتحرى فإن استويا ، فعنه بما شاء ، وعنه : يصلي ظهرين بينهما عصرا ، وبالعكس ، لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين قال في " المغني " : وهو القياس .

فرع : إذا ذكر فائتة في حاضرة ، أتمها غير الإمام ، وعنه : نفلا ، وقيل : فرضا ، وعنه : تبطل ، وإن نسي صلاة من خمس يجهل عينها صلى خمسا ، نص عليه بنية الفرض ، وعنه : فجرا ، ثم مغربا ، ثم رباعية ، وإن ترك عشر سجدات من صلاة شهرا ، قضى صلاة عشرة أيام لجواز تركه كل يوم سجدة ، ذكره أبو المعالي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث