الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد بالله تعالى

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 73 ] كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون [ من ] حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى ، لا من جهة أخرى ; فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع والقصد الثاني ، لا بالقصد الأول ، والدليل على ذلك أمور أحدها : ما تقدم في المسألة قبل أن كل علم لا يفيد عملا ; فليس في الشرع ما يدل على استحسانه ، ولو كان له غاية أخرى شرعية ; لكان مستحسنا شرعا ، ولو كان مستحسنا شرعا ; لبحث عنه الأولون من الصحابة ، والتابعين ، [ ص: 74 ] وذلك غير موجود ، فما يلزم عنه كذلك .

والثاني : أن الشرع إنما جاء بالتعبد ، وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم السلام كقوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم [ النساء : 1 ] .

الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله [ هود : 1 - 2 ] .

كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد [ إبراهيم : 1 ] .

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [ البقرة : 2 ] .

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [ الأنعام : 1 ] ; أي يسوون به غيره في العبادة ، فذمهم على ذلك .

وقال : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول [ المائدة : 92 ] .

لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات [ الكهف : 2 ] .

وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [ الأنبياء : 25 ] .

إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص الآية [ الزمر : 2 - 3 ] .

[ ص: 75 ] وما أشبه ذلك من الآيات التي لا تكاد تحصى ، كلها دال على أن المقصود التعبد لله ، وإنما أوتوا بأدلة التوحيد ليتوجهوا إلى المعبود بحق وحده سبحانه لا شريك له ، ولذلك قال تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك [ محمد : 19 ] .

وقال : فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون [ هود : 14 ] .

وقال : هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين [ غافر : 65 ] .

ومثله سائر المواضع التي نص فيها على كلمة التوحيد ، لا بد أن أعقبت بطلب التعبد لله وحده ، أو جعل مقدمة لها ، بل أدلة التوحيد هكذا جرى مساق القرآن فيها ألا تذكر إلا كذلك ، وهو واضح في أن التعبد لله هو المقصود من العلم ، والآيات في هذا المعنى لا تحصى .

والثالث : ما جاء من الأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل ، وإلا فالعلم عارية ، وغير منتفع به ، فقد قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء [ فاطر : 28 ] .

وقال : وإنه لذو علم لما علمناه [ يوسف : 68 ] .

قال قتادة : يعني لذو عمل بما علمناه .

[ ص: 76 ] وقال تعالى : من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة . . . إلى أن قال : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون الآية [ الزمر : 9 ] ، وقال تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب [ البقرة : 44 ] .

وروي عن أبي جعفر محمد بن علي في قول الله تعالى : فكبكبوا فيها هم والغاوون [ الشعراء : 94 ] ; قال : قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم ، وخالفوه إلى غيره .

وعن أبي هريرة قال : إن في جهنم أرحاء تدور بعلماء السوء ، فيشرف عليهم من كان يعرفهم في الدنيا ، فيقول : ما صيركم في هذا ، وإنما كنا نتعلم منكم ، قالوا : إنا كنا نأمركم بالأمر ونخالفكم إلى غيره .

[ ص: 77 ] وقال سفيان الثوري : إنما يتعلم العلم ليتقى به الله ، وإنما فضل العلم على غيره لأنه يتقى الله به .

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال ، وذكر فيها : وعن علمه ماذا عمل فيه .

[ ص: 78 ] وعن أبي الدرداء : " إنما أخاف أن يقال لي يوم القيامة : أعلمت أم جهلت ، فأقول : علمت ، فلا تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها ، فتسألني الآمرة : هل ائتمرت ؟ والزاجرة : هل ازدجرت ؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع ، [ ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ] ، ومن دعاء لا يسمع " .

وحديث أبي هريرة في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم [ ص: 79 ] القيامة ، قال فيه : ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : تعلمت فيك العلم وعلمته ، وقرأت القرآن ، قال : كذبت ، ولكن ليقال : فلان قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار .

وقال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه .

[ ص: 80 ] وروي أنه عليه السلام كان يستعيذ من علم لا ينفع .

وقالت الحكماء : من حجب الله عنه العلم ; عذبه على الجهل ، وأشد منه عذابا من أقبل عليه العلم فأدبر عنه ، ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به ، وقال معاذ بن جبل : " اعلموا ما شئتم أن تعلموا ؛ فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا " .

[ ص: 81 ] وروي أيضا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه زيادة : إن العلماء همتهم الرعاية ، وإن السفهاء همتهم الرواية .

وروي موقوفا أيضا عن أنس بن مالك ، وعن عبد الرحمن بن غنم قال : حدثني عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : كنا نتدارس العلم في مسجد قباء ; إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا .

[ ص: 82 ] وكان رجل يسأل أبا الدرداء فقال له : كل ما تسأل عنه تعمل به ؟ قال : لا . قال : فما تصنع بازدياد حجة الله عليك ؟ .

وقال الحسن : " اعتبروا الناس بأعمالهم ، ودعوا أقوالهم ; فإن الله لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه ، فإذا سمعت قولا حسنا فرويدا بصاحبه ; فإن وافق قوله عمله ، فنعم ونعمة عين " .

وقال ابن مسعود : " إن الناس أحسنوا القول كلهم ، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه ، ومن خالف فعله قوله ; فإنما يوبخ نفسه " .

وقال الثوري : " إنما يطلب الحديث ليتقى به الله عز وجل فلذلك فضل على غيره من العلوم ، ولولا ذلك كان كسائر الأشياء " .

وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد ; قال : " أدركت الناس وما [ ص: 83 ] يعجبهم القول ، إنما يعجبهم العمل " ، والأدلة على هذا المعنى أكثر من أن تحصى ، وكل ذلك يحقق أن العلم وسيلة من الوسائل ليس مقصودا لنفسه من حيث النظر الشرعي ، وإنما هو وسيلة إلى العمل ، وكل ما ورد في فضل العلم ; فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به .

فلا يقال : إن العلم قد ثبت في الشريعة فضله ، وإن منازل العلماء فوق منازل الشهداء ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن مرتبة العلماء تلي مرتبة الأنبياء ، وإذا كان كذلك ; ، وكان الدليل الدال على فضله مطلقا لا مقيدا ; فكيف ينكر أنه فضيلة مقصودة لا وسيلة ، هذا وإن كان وسيلة من وجه ، فهو مقصود لنفسه أيضا كالإيمان ; فإنه شرط في صحة العبادات ، ووسيلة إلى قبولها ، ومع ذلك فهو مقصود لنفسه .

لأنا نقول : لم يثبت فضله مطلقا ، بل من حيث التوسل به إلى العمل بدليل ما تقدم ذكره آنفا ، وإلا تعارضت الأدلة ، وتناقضت الآيات والأخبار ، [ ص: 84 ] وأقوال السلف الأخيار ; فلا بد من الجمع بينها ، وما ذكر آنفا شارح لما ذكر في فضل العلم والعلماء ، وأما الإيمان ; فإنه عمل من أعمال القلوب ، وهو التصديق ، وهو ناشئ عن العلم ، والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض ، وإن صح أن تكون مقصودة في أنفسها ، أما العلم ; فإنه وسيلة ، وأعلى ذلك العلم بالله ، ولا تصح به فضيلة لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه ، وهو الإيمان بالله .

فإن قيل : هذا متناقض ; فإنه لا يصح العلم بالله مع التكذيب به .

قيل : بل قد يحصل العلم مع التكذيب ; فإن الله قال في قوم : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : 14 ] .

وقال : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون [ البقرة : 146 ] .

وقال : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون [ الأنعام : 20 ] .

فأثبت لهم المعرفة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم بين أنهم لا يؤمنون ، وذلك مما يوضح أن الإيمان غير العلم ، كما أن الجهل مغاير للكفر .

نعم ، قد يكون العلم فضيلة ، وإن لم يقع العمل به على الجملة ، كالعلم بفروع الشريعة ، والعوارض الطارئة في التكليف ، إذا فرض أنها لم تقع في [ ص: 85 ] الخارج ; فإن العلم بها حسن ، وصاحب العلم مثاب عليه ، وبالغ مبالغ العلماء ؛ لكن من جهة ما هو مظنة الانتفاع عند وجود محله ، ولم يخرجه ذلك عن كونه وسيلة ، كما أن في تحصيل الطهارة للصلاة فضيلة ، وإن لم يأت وقت الصلاة بعد ، أو جاء ولم يمكنه أداؤها لعذر ، فلو فرض أنه تطهر على عزيمة أن لا يصلي ; لم يصح له ثواب الطهارة ، فكذلك إذا علم على أن لا يعمل ؛ لم ينفعه علمه ، وقد وجدنا وسمعنا أن كثيرا من النصارى واليهود يعرفون دين الإسلام ، ويعلمون كثيرا من أصوله وفروعه ، ولم يكن ذلك نافعا لهم من البقاء على الكفر باتفاق أهل الإسلام .

فالحاصل أن كل علم شرعي ليس بمطلوب إلا من جهة ما يتوسل به إليه ، وهو العمل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث