الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

جزء التالي صفحة
السابق

ذلك [ 2 ]

فيه ستة أوجه : يكون بمعنى : هذا ذلك الكتاب ، فيكون خبر هذا .

ويكون بمعنى : " الم ذلك " هذا قول الفراء ، أي حروف المعجم ذلك الكتاب ، واجتزئ ببعضها من بعض ، ويكون هذا رفعا بالابتداء ، والكتاب خبره ، والكوفيون يقولون : رفعنا هذا بهذا وهذا بهذا ، ويكون الكتاب عطف البيان الذي يقوم مقام النعت ، وهدى خبرا ، ويكون " لا ريب فيه " الخبر ، والكوفيون يقولون : الهاء العائدة الخبر .

والوجه السادس : أن يكون الخبر " لا ريب فيه " لأن معنى " لا شك " : حق ، ويكون التمام على هذا لا ريب ، ويقال : ذلك ، ولغة تميم : ذاك . ولم تعرب " ذلك " ولا " هذا " ؛ لأنهما لا يثبتان على المسمى . قال البصريون : اللام في " ذلك " توكيد . وقال الكسائي ، والفراء : جيء باللام في " ذلك " لئلا يتوهم أن " ذا " مضاف إلى الكاف ، وقيل : جيء باللام بدلا من الهمزة ولذلك كسرت . وقال علي بن سليمان : جيء باللام لتدل على شدة التراخي . قال أبو إسحاق : كسرت فرقا بينها وبين لام الجر ، ولا موضع للكاف ، والاسم عند البصريين " ذا " ، وعند الفراء : الذال .

ثم قال الله - جل وعز - : لا ريب فيه نصب " ريب " لأن " لا " عند البصريين مضارعة لأن ، فنصبوا بها ، وأن " لا " لم تعمل إلا في نكرة ؛ لأنها جواب نكرة فيها معنى " من " بنيت مع [ ص: 179 ] النكرة فصيرا شيئا واحدا . وقال الكسائي : سبيل النكرة أن يتقدمها أخبارها فتقول : قام رجل ، فلما تأخر الخبر في التبرئة نصبوا ولم ينونوا ؛ لأنه نصب ناقص . وقال الفراء : سبيل " لا " أن تأتي بمعنى " غير " ، تقول : مررت بلا واحد ولا اثنين ، فلما جئت بها بغير معنى " غير " و " ليس " ؛ نصبت بها ، ولم تنون ؛ لئلا يتوهم أنك أقمت الصفة مقام الموصوف . وقيل : إنما نصبت لأن المعنى : لا أجد ريبا ، فلما حذفت الناصب حذفت التنوين . ويجوز لا ريب فيه تجعل " لا " بمعنى " ليس " ، وأنشد سيبويه :


من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح



فيه هدى الهاء في موضع خفض بفي . وفي الهاء خمسة أوجه : أجودها : ( فيه هدى ) ، ويليه : ( فيه هدى ) بضم الهاء بغير واو ، وهي قراءة الزهري ، وسلام أبي المنذر . ويليه : ( فيهي هدى ) بإثبات الياء ، وهي قراءة ابن كثير ، ويجوز : ( فيهو هدى ) بالواو ، ويجوز : ( فيه هدى ) مدغما ، والأصل : ( فيهو [ ص: 180 ] هدى ) الاسم الهاء ، وزيدت الواو عند الخليل لأن الهاء خفية ، فقويت بحرف جلد متباعد منها ، وتبدل منها ياء لأن قبلها ياءا ، أو يحذف لاجتماع الواو والياء عند سيبويه ، ولاجتماع الساكنين عند أبي العباس ، وكذا الياء ، ويدغم لاجتماع هاءين ، وليس بجيد ؛ لأن حروف الحلق ليست أصلا بالإدغام ويجتمع ساكنان ، وقال سيبويه : إنما زيدت الواو كما زيدت الألف في المؤنث .

وفي ( هدى ) ستة أوجه : تكون في موضع رفع خبرا عن " ذلك " ، وعلى إضمار مبتدأ ، وعلى أن تكون خبرا بعد خبر ، وعلى أن تكون رفعا بالابتداء . قال أبو إسحاق : يكون المعنى : فيه هدى ولا ريب . فهذه أربعة أوجه في الرفع ، وحكي خامس وهو : أن يكون على موضع لا ريب فيه أي حق هدى ، ويكون نصبا على الحال من " ذلك " والكوفيون يقولون : قطع ، ويكون حالا من الكتاب ، وتكون حالا من الهاء . قال الفراء : بعض بني أسد يؤنث الهدى فيقول : هذه هدى حسنة . ولم يعرب لأنه مقصور ، والألف لا يحرك .

ثم قال - جل وعز - : للمتقين مخفوض باللام الزائدة ، ولغة أهل الحجاز : فلان موتق . وهذا هو الأصل ، والتقية أصلها الوقية ، من " وقيت " أبدلت من الواو تاء لأنها أقرب [ ص: 181 ] الزوائد إليها ، وقد فعلوا ذلك من غير أن يكون ثم تاء ، كما حدثنا علي بن سليمان ، عن محمد بن يزيد ، عن المازني قال : سألت الأصمعي عن قول الشاعر :


فإن يكن أمسى البلى تيقوري



وقلت له : قال الخليل : هو فيعول من الوقار فأبدل من الواو تاء ، فقال : هذا قول الأشياخ ، والأصل " للمتقيين " بياءين مخففتين ، وحذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين .

ثم قال - جل وعز - :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث