الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء من لم يسجد فيه

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء من لم يسجد فيه

576 حدثنا يحيى بن موسى حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها قال أبو عيسى حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم السجود لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا السجدة واجبة على من سمعها فلم يرخصوا في تركها وقالوا إن سمع الرجل وهو على غير وضوء فإذا توضأ سجد وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحق وقال بعض أهل العلم إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها ورخصوا في تركها إن أراد ذلك واحتجوا بالحديث المرفوع حديث زيد بن ثابت حيث قال قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها فقالوا لو كانت السجدة واجبة لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم زيدا حتى كان يسجد ويسجد النبي صلى الله عليه وسلم واحتجوا بحديث عمر أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء فلم يسجد ولم يسجدوا فذهب بعض أهل العلم إلى هذا وهو قول الشافعي وأحمد

التالي السابق


باب ما جاء من لم يسجد فيه

أي في النجم .

قوله : ( عن ابن أبي ذئب ) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي المدني ، ثقة فقيه فاضل ( عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ) بقاف مضمومة وسين مهملة مصغرا وآخره طاء مهملة ، ثقة من الرابعة .

قوله : ( قرأت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النجم فلم يسجد فيها ) احتج بهذا من قال : إن المفصل ليس فيه سجدة ، كالمالكية ، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها ، كأبي ثور . قال الحافظ في الفتح : ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقا ؛ لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء ، أو لكون الوقت كان وقت كراهة ، أو لكون القارئ كان لم يسجد ، أو ترك حينئذ لبيان الجواز ، وهذا أرجح الاحتمالات وبه جزم الشافعي ؛ لأنه لو كان واجبا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك . انتهى كلام الحافظ .

[ ص: 139 ] قوله : ( حديث زيد بن ثابت حسن صحيح ) وأخرجه البخاري .

قوله : ( وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث ، قال : إنما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- السجود ؛ لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبي -صلى الله عليه وسلم ) يعني أن القارئ إمام للسامع ، فلما لم يسجد زيد لم يسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- اتباعا لزيد ، ويدل على كون القارئ إماما للسامع قول ابن مسعود لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة فقال : اسجد فإنك إمامنا فيها ، ذكره البخاري تعليقا ، قال الحافظ في الفتح : وصله سعيد بن منصور من رواية مغيرة عن إبراهيم قال : قال تميم بن حذلم : قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام فمررت بسجدة فقال عبد الله : أنت إمامنا فيها . وقد روي مرفوعا أخرجه ابن أبي شيبة من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم : أن غلاما قرأ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- السجدة فانتظر الغلام النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسجد ، فلما لم يسجد قال : يا رسول الله ، أليس في هذه السجدة سجود؟ قال : بلى ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا . رجاله ثقات إلا أنه مرسل ، وقد روي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، قال : بلغني ، فذكر نحوه أخرجه البيهقي من رواية ابن وهب عن هشام بن سعد وحفص بن ميسرة معا عن زيد بن أسلم به ، انتهى كلام الحافظ .

( وقالوا : السجدة واجبة على من سمعها . ولم يرخصوا في تركها ، وقالوا : إن سمع الرجل وهو على غير وضوء فإذا توضأ سجد وهو قول سفيان وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق ) ، وبه قال أبو حنيفة . قال العيني في عمدة القارئ : استدل صاحب الهداية على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وسلم- : " السجدة على من سمعها ، السجدة على من تلاها " ، ثم قال : كلمة على للإيجاب ، والحديث غير مقيد بالقصد . قال العيني : هذا غريب لم يثبت وإنما روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال : السجدة على من سمعها . وفي البخاري قال عثمان : إنما السجود على من استمع . قال : واستدل أيضا بالآيات فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ، فاسجدوا لله واعبدوا واسجد واقترب ، وقالوا : الذم [ ص: 140 ] لا يتعلق إلا بترك واجب ، والأمر في الآيتين للوجوب . انتهى كلام العيني . واستدل أيضا بحديث أبي هريرة : إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ، أخرجه مسلم .

قلت : قول ابن عمر -رضي الله عنه- : السجدة على من سمعها ، وقول عثمان : إنما السجود على من استمع ، لو سلم أنهما يدلان على وجوب سجدة التلاوة فهو قولهما وليس بمرفوع ، وقولهما هذا مخالف لإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين كما ستقف عليه . وأما قوله تعالى : وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون فمعناه لا يسجدون إباء وإنكارا كما قال الشيطان : أمرت بالسجود فأبيت ، فالذم متعلق بترك السجود إباء وإنكارا . قال ابن قدامة في المغني : فأما الآية فإنه ذمهم لترك السجود غير معتقدين فضله ولا مشروعيته انتهى . وأما الاستدلال على وجوب سجدة التلاوة بقوله تعالى : فاسجدوا لله واعبدوا ، وقوله : واسجد واقترب فموقوف على أن يكون الأمر فيهما للوجوب وعلى أن يكون المراد بالسجود سجدة التلاوة وهما ممنوعان .

قال الإمام البخاري في صحيحه : باب من رأى أن الله -عز وجل- لم يوجب السجود ، قال الحافظ في الفتح : أي : وحمل الأمر في قوله : اسجدوا على الندب ، أو على أن المراد به سجود الصلاة أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب ، وفي سجود التلاوة على الندب على قاعدة الشافعي ومن تابعه في حمل المشترك على معنييه . ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاوي من أن الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ما هو بصيغة الأمر ، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل هي فيها سجود أو لا؟ وهي ثانية الحج وخاتمة النجم و اقرأ ، فلو كان سجود التلاوة واجبا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتفق على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر ، انتهى .

( وقال بعض أهل العلم : إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها ، ورخصوا في تركها قالوا : إن أراد ذلك ) ، وهو قول الشافعي ، ومالك في أحد قوليه ، وأحمد وإسحاق والأوزاعي وداود ، قالوا : إنها سنة ، وهو قول عمر وسلمان وابن عباس وعمران بن حصين ، وبه قال الليث . كذا في عمدة القاري ( واحتجوا بالحديث المرفوع حديث زيد بن ثابت قال : [ ص: 141 ] قرأت على النبي -صلى الله عليه وسلم- النجم فلم يسجد ، فقالوا : لو كانت السجدة واجبة لم يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- زيدا حتى كان يسجد ويسجد النبي -صلى الله عليه وسلم - ) ، أجاب العيني وغيره عن حديث زيد بن ثابت هذا بأن معناه أنه لم يسجد على الفور ، ولا يلزم منه أنه ليس في النجم سجدة ولا فيه نفي الوجوب ، انتهى .

وقد عرفت في كلام الحافظ أن في ترك السجود فيها في هذه الحالة احتمالات ، وأرجح الاحتمالات أنه ترك حينئذ لبيان الجواز ( واحتجوا بحديث ابن عمر أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود ، فقال : إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء . فلم يسجد ولم يسجدوا ) ، أخرجه البخاري بلفظ : قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاءت السجدة نزل فسجد وسجد الناس ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاءت السجدة قال : يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه . ولم يسجد عمر ، وزاد نافع عن ابن عمر : أن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء ، انتهى .

واستدل بقوله : لم يفرض . على عدم وجوب سجود التلاوة ، وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب .

وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث وما كان الصحابة يفرقون بينهما ، ويغني عن هذا قول عمر : ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، واستدل بقوله : إلا أن نشاء على أن المراد : مخير في السجود فيكون ليس بواجب .

وأجاب من أوجبه بأن المعنى : إلا أن نشاء قراءتها فيجب ، ولا يخفى بعده ويرده تصريح عمر بقوله : ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، بأن انتقاء الإثم عمن ترك الفعل مختارا يدل على عدم وجوبه . كذا في فتح الباري .

تنبيه :

قال العيني في شرح البخاري : واحتجوا ؛ أي : القائلون بعدم وجوب سجدة التلاوة بحديث عمر -رضي الله عنه- : إن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن نشاء . وهذا ينفي الوجوب . قالوا : قال عمر هذا القول والصحابة حاضرون ، والإجماع السكوتي عندهم حجة ، انتهى كلام العيني . وأجاب هو عن هذا بأن ما روي عن عمر -رضي الله عنه- فموقوف وهو ليس بحجة عندهم ، انتهى .

قلت : العجب من العيني أنه لما يجب عن الإجماع السكوتي بل سكت عنه وهو حجة [ ص: 142 ] عنده وعند أصحابه الحنفية ، قال هو في رد حديث القلتين ما لفظه : حديث القلتين خبر آحاد ورد مخالفا لإجماع الصحابة ؛ فيرد . بيانه أن ابن عباس وابن الزبير أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله ولم يظهر أثره ، وكان الماء من قلتين . وذلك بمحضر من الصحابة -رضي الله عنهم- ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعا ، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يرد . انتهى كلامه .

فللقائلين بعدم وجوب سجدة التلاوة أن يقولوا : نحن لا نحتج بمجرد قول عمر -رضي الله عنه- بل بإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فإن عمر -رضي الله عنه- قال هذا القول بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم . والحق أن هذا الاحتجاج احتجاج صحيح ، ليس عند الحنفية جواب شاف عن هذا الاحتجاج . وقد أنصف بعض الحنفية في تعليقاته على جامع الترمذي حيث قال : قوله : واحتجوا بحديث عمر إلخ ليس هذا مرفوعا بل أثر عمر وهذا تمسك الحجازيين .

وأما الجواب من جانب الأحناف بأنه موقوف ومذهب عمر -رضي الله عنه- فلا يفيد ، فإنه بمحضر جماعة من الصحابة فيمكن للشافعية قول : إنه إجماع جمهور الصحابة ، فما أجاب أحد جوابا شافيا انتهى . ثم قال هذا البعض رادا على العيني ما لفظه : وقال العيني : بحذف المستثنى المتصل ؛ لأنه أصل ، فيكون المعنى : أنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء مكتوبيتها . وقال أيضا : إن المشيئة تتعلق بالتلاوة لا بالسجدة .

وقال الحافظ : إنها تتعلق بالسجدة . أقول : تأويل العيني فيه أنا إذا قلنا : إن المستثنى منه الوجوب ، والمستثنى هو التطوع ، يكون الاستثناء أيضا متصلا ، وليس حد المتصل والمنفصل ما هو مشهور على الألسنة بل تفصيله مذكور في قطر الندى وشرح الشيخ السيد محمود الألوسي على المقدمة الأندلسية ، وأيضا يخالف قول العيني لفظ الباب فلم يسجد ولم يسجدوا إلخ فإنه تحقق التلاوة في واقعة الباب .

وأما قول : إنه تأخير السجدة ؛ لأن الأداء لا يجب في الفور فبعيد ؛ لأنه لا عذر ولا نكتة لترك السجدة الآن بخلاف ما مر من واقعة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم أر جوابا شافيا . انتهى كلام بعض الحنفية في تعليقه المسمى بالعرف الشذي .

قلت : قول عمر -رضي الله عنه- ومن لم يسجد فلا إثم عليه دليل صريح على عدم وجوب سجدة التلاوة كما عرفت في كلام الحافظ ، وأما تأويل العيني بأن معناه من لم يسجد فلا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع فباطل مردود عليه فإنه لا دليل على هذا التأويل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث