الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا

وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا

التلاوة : القراءة واستظهار ما يحفظه التالي من كلام له أو لغيره يحكيه لسامعه ، [ ص: 257 ] وقد تقدم عند قوله - تعالى - واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان في البقرة .

وآيات الله القرآن ، سميت آيات لأن وحيها إلى النبيء الأمي - صلى الله عليه وسلم - وعجز قومه ، خاصتهم وعامتهم عن الإتيان بمثلها فيه دلالة على صدق من جاء بها فلذلك سميت آيات ، ويسمى القرآن كله آية أيضا باعتبار دلالة جملته على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تقدم ذلك في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير .

وإسناد فعل زيادة الإيمان إلى آيات الله لأنها سبب تلك الزيادة للإيمان باعتبار حال من أحوالها ، وهو تلاوتها لاعتبار مجرد وجودها في صدر غير المتلوة عليه . وهذا الإسناد من المجاز العقلي إذ جعلت الآيات بمنزلة فاعل الزيادة في الإيمان .

فإنه لما لم يعرف الفاعل الحقيقي لزيادة الإيمان ، إذ تلك الزيادة كيفية نفسية عارضة لليقين لا يعرف فاعل انقداحها في العقل ، وغاية ما يعرف أن يقال : ازداد إيمان فلان ، أو ازداد فلان إيمانا ، بطريق ما يدل على المطاوعة ، ولا التفات في الاستعمال إلى أن الله هو خالق الأحوال كلها إذ ليس ذلك معنى الفاعل الحقيقي في العرف ، ولو لوحظ ذلك لم ينقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز عقليين وإنما الفاعل الحقيقي هو من يأتي الفعل ويصنعه كالكاتب للكتابة والضارب بالسيف للقتل .

والإيمان : تصديق النفس بثبوت نسبة شيء لشيء ، أو بانتفاء نسبة شيء عن شيء ، تصديقا جازما لا يحتمل نقيض تلك النسبة ، وقد اشتهر اسم الإيمان شرعا في اليقين بالنسبة المقتضية وجود الله ووجود صفاته التي دلت عليها الأدلة العقلية أو الشرعية ، والمقتضية مجيء رسول الله مخبرا عن الله الذي أرسله وثبوت صفات الرسول - عليه الصلاة والسلام - التي لا يتم معنى رسالته عن الله بدونها : مثل الصدق فيما يبلغ عن الله ، والعصمة عن اقتراف معصية الله - تعالى - .

ومعنى زيادة الإيمان : قوة اليقين في نفس الموقن على حسب شدة الاستغناء عن استحضار الأدلة في نفسه ، وعن إعادة النظر فيها ، ودفع الشك العارض للنفس ، فإنه كلما كانت الأدلة أكثر وأقوى وأجلى مقدمات كان اليقين أقوى ، فتلك القوة هي المعبر عنها بالزيادة ، وتفاوتها تدرج في الزيادة . ويجوز أن تسمى قلة التدرج في الأدلة نقصا لكنه نقص عن الزيادة ، وذلك مع مراعاة وجود أصل حقيقة [ ص: 258 ] الإيمان ، لأنها لو نقصت عن اليقين لبطلت ماهية الإيمان ، وقد أشار البخاري إلى هذا بقوله " باب زيادة الإيمان ونقصانه ، فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص " فلو أن نقص الأدلة بلغ بصاحبه إلى انخرام اليقين لم يكن العلم الحاصل له إيمانا ، حتى يوصف بالنقص ، فهذا هو المراد من وصف الإيمان بالزيادة ، في القرآن وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو بين . ولم يرد عن الشريعة ذكر نقص الإيمان ، وذلك هو الذي يريده جمهور علماء الأمة إذا قالوا الإيمان يزيد كما قال مالك بن أنس الإيمان يزيد ولا ينقص ، وهي عبارة كاملة ، وقد يطلق الإيمان على الأعمال التي تجب على المؤمن وهو إطلاق باعتبار كون تلك الأعمال من شرائع الإيمان ، كما أطلق على الصلاة اسم الإيمان في قوله - تعالى - وما كان الله ليضيع إيمانكم ولكن الاسم المضبوط لهذا المعنى هو اسم الإسلام كما يفصح عنه حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان ، فالإيمان قد يطلق على الإسلام وهو بهذا الاعتبار يوصف بالنقص والزيادة باعتبار الإكثار من الأعمال والإقلال ، ولكنه ليس المراد في هذه الآية ولا في نظائرها من آيات الكتاب وأقوال النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، وقد يريده بعض علماء الأمة فيقول : الإيمان يزيد وينقص ، ولعل الذي ألجأهم إلى وصفه بالنقص هو ما اقتضاه الوصف بالزيادة . وهذا مذهب أشار إليه البخاري في قوله " باب من قال إن الإيمان هو العمل " . وقال الشيخ ابن أبي زيد " وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال فيكون فيها النقص وبها الزيادة " ، وهو جار على طريقة السلف من إقرار ظواهر ألفاظ القرآن والسنة ، في الأمور الاعتقادية ، ولكن وصف الإيمان بالنقص لا داعي إليه لعدم وجود مقتضيه لعدم وصفه بالنقص في القرآن والسنة ولهذا قال مالك : الإيمان يزيد ولا ينقص .

وكيفية تأثير تلاوة الآيات في زيادة الإيمان : أن دقائق الإعجاز التي تحتوي عليها آيات القرآن تزيد كل آية تنزل منها أو تتكرر على الأسماع سامعها يقينا بأنها من عند الله ، فتزيده استدلالا على ما في نفسه ، وذلك يقوي الإيمان حتى يصل إلى مرتبة تقرب من الضرورة على نحو ما يحصل في تواتر الخبر من اليقين بصدق المخبرين ، ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال عليها بشراشر القلوب ثم في [ ص: 259 ] العمل بما تتضمنه من أمر أو نهي ، حتى يحصل كمال التقوى ، فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زيادة في عوارض الإيمان من قوة اليقين وتكثير الأعمال فهذا وصف راسخ للآيات ويجوز أن تفسر زيادة الإيمان عند تلاوة الآيات بأنها زيادة إدراك للمعاني المؤمن بها ، كما فسرت زيادة الإيمان بالنسبة إلى الأعمال ، التي تجب على المؤمن إذ تلك الإدراكات تعلقات بعضها حسي وبعضها عقلي .

وحظ المقام المتعلق بأحكام الأنفال من هذه الزيادة هو أن سماع آيات حكم الأنفال يزيد إيمان المؤمنين قوة ، بنبذ الشقاق والتشاجر الطارئ بينهم في أنفس الأموال عندهم ، وهو المال المكتسب من سيوفهم ، فإنه أحب أموالهم إليهم . وفي الحديث وجعل رزقي تحت ظل رمحي وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر حكم الأنفال ، وتعقيبه بالأمر بالتقوى وإصلاح ذات البين والطاعة ، ثم تعليل ذلك بأن شأن المؤمنين ازدياد إيمانهم عند تلاوة آيات الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث