الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به

إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام

لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائل عناية الله [ ص: 278 ] - تعالى - برسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالمؤمنين ، فقرنها في قرن زمانها ، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة " إذ " الزمانية ، وهذا من أبدع التخلص ، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب .

ولذلك فالوجه أن يكون هذا الظرف مفعولا فيه لقوله " وما النصر " فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر ، فلا جرم أن يكون وقت حصوله ظرفا للنصر .

والغشي والغشيان كون الشيء غاشيا أي غاما ومغطيا ، فالنوم يغطي العقل ، والنعاس النوم غير الثقيل ، وهو مثل السنة .

وقرأ نافع ، وأبو جعفر : يغشيكم ، بضم التحتية وسكون الغين وتخفيف الشين بعدها ياء مضارع أغشاه وبنصب النعاس ، والتقدير إذ يغشيكم الله النعاس ، والنعاس مفعول ثان ليغشى بسبب تعدية الهمزة ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو : بفتح التحتية وفتح الشين بعدها ألف ، وبرفع النعاس ، على أن " يغشاكم " مضارع غشي والنعاس فاعل . وقرأه الباقون : بضم التحتية وفتح العين وتشديد الشين ، ونصب النعاس ، على أنه مضارع غشاه المضاعف والنعاس مفعول ثان .

فإسناد الإغشاء أو التغشية إلى الله لأنه الذي قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف ، ولا يكون عاما سائر الجيش فهو نوم منحهم الله إياه لفائدتهم .

وإسناد الغشي إلى النعاس حقيقة على المتعارف ، وقد علم أنه من تقدير الله بقوله أمنة منه .

والأمنة الأمن ، وتقدم في آل عمران ، وهو منصوب على المفعول لأجله على قراءة من نصب النعاس ، وعلى الحال على قراءة من رفع النعاس .

وإنما كان النعاس أمنا لهم لأنهم لما ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم في مدة النوم فتلك نعمة ، ولما استيقظوا وجدوا نشاطا ، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة ويزيل شعور الخوف الذي هو فتور الأعصاب .

وصيغة المضارع في " يغشيكم " لاستحضار الحالة .

[ ص: 279 ] و " من " في قوله " منه " للابتداء المجازي ، وهو وصف لأمنه لإفادة تشريف ذلك النعاس وأنه وارد من جانب القدس ، فهو لطف وسكينة ورحمة ربانية ، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله ، على قراءة من نصبوا النعاس ، تنبيها على أنه إسناد مخصوص ، وليس الإسناد الذي يعم المقدورات كلها ، وعلى قراءة من رفعوا النعاس يكون وصف الأمنة بأنها منه ساريا إلى الغشي فيعلم أنه غشي خاص قدسي ، وليس مثل سائر غشيان النعاس فهو خارق للعادة كان كرامة لهم وقد حصل ذلك للمسلمين يوم بدر كما هو صريح هذه الآية ، وحصل النعاس يوم أحد لطائفة من الجيش قال - تعالى - ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وتقدم في سورة آل عمران . وفي صحيح البخاري عن أبي طلحة قال : " كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا " .

وذكر الله منة أخرى جاءت في وقت الحاجة : وهي أنه أنزل عليهم المطر يوم بدر ، فإسناد هذا الإنزال إلى الله - تعالى - للتنبيه على أنه أكرمهم به وذلك لكونه نزل في وقت احتياجهم إلى الماء ، ولعله كان في غير الوقت المعتاد فيه نزول الأمطار في أفقهم ، قال أهل السير : كان المسلمون حين اقتربوا من بدر راموا أن يسبقوا جيش المشركين إلى ماء بدر ، وكان طريقهم دهساء أي رملا لينا ، تسوخ فيه الأرجل فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض طريق المشركين ملبدة ، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أمكن لهم ، واستوحلت الأرض للمشركين فصار السير فيها متعبا ، فأمكن للمسلمين السبق إلى الماء من بدر ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيرا من ماء المطر ، وتطهروا وشربوا ، فذلك قوله - تعالى - ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان .

والرجز القذر ، والمراد الوسخ الحسي وهو النجس والمعنوي المعبر عنه في كتب الفقه بالحدث ، والمراد الجنابة ، وذلك هو الذي يعم الجيش كله فلذلك قال " ويذهب عنكم رجز الشيطان " ، وإضافته إلى الشيطان لأن غالب الجيش لما ناموا احتلموا فأصبحوا على جنابة وذلك قد يكون خواطر الشيطان يخيلها للنائم ليفسد عليه طهارته بدون اختيار طمعا في تثاقله عن الاغتسال حتى يخرج وقت صلاة الصبح ، ولأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس الثياب والأجساد [ ص: 280 ] والنجاسة تلائم طبع الشيطان .

وتقدير المجرور في قوله عنكم رجز الشيطان للرعاية على الفاصلة ، لأنها بنيت على مد وحرف بعده في هذه الآيات والتي بعدها مع ما فيه من الاهتمام بهم .

وقوله وليربط على قلوبكم أي يؤمنكم بكونكم واثقين بوجود الماء لا تخافون عطشا ، وتثبيت الأقدام هو التمكن من السير في الرمل ، بأن لا تسوخ في ذلك الدهس الأرجل ، لأن هذا المعنى هو المناسب حصوله بالمطر .

والربط حقيقته شد الوثاق على الشيء وهو مجاز في التثبيت وإزالة الاضطراب ومنه قولهم : فلان رابط الجأش وله رباطة جأش .

و " على " مستعارة لتمكن الربط فهي ترشيح للمجاز .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث