الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

استطراد بذكر تأييد إلهي آخر لم يجر له ذكر في الكلام السابق ، وهو إشارة إلى ما ذكره المفسرون وابن إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن حرض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فأخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها المشركين ثم قال : شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها ثم أمر أصحابه فقال : شدوا ، فكانت الهزيمة على المشركين ، وقال غيره لم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه فشغل بعينيه فانهزموا ، فلكون الرمي قصة مشهورة بينهم حذف مفعول الرمي في المواضع الثلاثة ، وهذا أصح الروايات ، والمراد بالرمي رمي الحصباء في وجوه المشركين يوم بدر وفيه روايات أخرى لا تناسب مهيع السورة ، فالخطاب في قوله " رميت " للنبيء - صلى الله عليه وسلم - .

والرمي حقيقته إلقاء شيء أمسكته اليد ، ويطلق الرمي على الإصابة بسوء من [ ص: 295 ] فعل أو قول كما في قول النابغة :


رمى الله في تلك الأكف الكوانع



أي أصابها بما يشلها - وقول جميل :


رمى الله في عيني بثينة بالقذى     وفي الغر من أنيابها بالقوارح



وقوله - تعالى - " والذين يرمون أزواجهم " فيجوز أن يكون " رميت " الأول وقوله " ولكن الله رمى " مستعملين في معناهما المجازي أي وما أصبت أعينهم بالقذى ولكن الله أصابها به لأنها إصابة خارقة للعادة فهي معجزة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وكرامة لأهل بدر فنفيت عن الرمي المعتاد وأسندت إلى الله لأنها بتقدير خفي من الله ، ويكون قوله " إذ رميت " مستعملا في معناه الحقيقي . وفي القرطبي عن ثعلب أن المعنى : وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا ، وفيه عن أبي عبيدة : إن رميت الأول والثاني و " رمى " مستعملة في معانيها الحقيقية وهو ما درج عليه جمهور المفسرين وجعلوا المنفي هو الرمي الحقيقي ، والمثبت في قوله " إذ رميت " هو الرمي المجازي وجعله السكاكي من الحقيقة والمجاز العقليين فجعل " ما رميت " نفيا للرمي الحقيقي ، وجعل " إذ رميت " للرمي المجازي .

وقوله " إذ رميت " زيادة تقييد للرمي وأنه الرمي المعروف المشهور ، وإنما احتيج إليه في هذا الخبر ولم يؤت بمثله في قوله " فلم تقتلوهم " لأن القتل لما كانت له أسباب كثيرة كان اختصاص سيوف المسلمين بتأثيره غير مشاهد ، وكان من المعلوم أن الموت قد يحصل من غير فعل فاعل غير الله ، لم يكن نفي ذلك التأثير وإسناد حصوله إلى مجرد فعل الله محتاجا إلى التأكيد بخلاف كون رمي الحصى الحاصل بيد الرسول - صلى الله عليه وسلم - حاصلا منه ، فإن ذلك أمر مشاهد لا يقبل الاحتمال فاحتيج في نفيه إلى التأكيد إبطالا لاحتمال المجاز في النفي بأن يحمل على نفي رمي كامل ، فإن العرب قد ينفون الفعل ومرادهم نفي كماله حتى قد يجمعون بين الشيء وإثباته أو نفي ضده بهذا الاعتبار كقول عباس بن مرداس :


فلم أعط شيئا ولم أمنع



أي شيئا مجديا ، فدل قوله " إذ رميت " على أن المراد بالنفي في قوله " وما رميت " [ ص: 296 ] هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه ، وليس المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله " فلم تقتلوهم " لأن الرمي واقع من يد النبيء - صلى الله عليه وسلم - ولكن المراد نفي تأثيره ، فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد ، لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية ، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم ، علم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف ، وأن المراد بإثبات الرمي في قوله " ولكن الله رمى " كالقول في " ولكن الله قتلهم " .

وقرأ نافع والجمهور " ولكن " بتشديد النون في الموضعين وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي بسكون النون فيهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث