الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم

وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم عطف على محذوف يؤذن به قوله " فلم تقتلوهم " الآية ، وقوله " وما رميت " الآية ، فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا لغرض هزم المشركين فهو العلة الأصلية ، وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاء حسنا أي يعطيهم عطاء حسنا يشكرونه عليه فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طويتهم لمن لا يعرفها ، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة .

واعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريف هذا الفعل أغفله الراغب في المفردات ومن رأيت من المفسرين ، وهو مضارع أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختبار ثم أطلق على إصابة أحد أحدا بشيء يظهر به مقدار تأثره ، والغالب أن الإصابة بشر ، ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال - تعالى - " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " وهو إطلاق كنائي ، وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح ، وبقي الفعل المجرد صالحا للإصابة بالشر والخير ، واستعملوا " أبلاه " مهموز أي أصابه بخير . قال ابن قتيبة : " يقال : من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء " قلت : جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال - تعالى - " بلاء حسنا " وهو مفعول مطلق لفعل يبلي مؤكد له لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن [ ص: 297 ] وضمير منه عائد إلى اسم الجلالة و من الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ، ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون من للتعليل والسببية .

وقوله " إن الله سميع عليم " تدبيل للكلام و " إن " هنا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم ، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث