الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الصراط المستقيم في الزهد والعبادة والورع

[ ص: 568 ] وقال الشيخ - رحمه الله - ( فصل ) في الصراط المستقيم : في " الزهد " و " العبادة " و " الورع " في ترك المحرمات والشهوات و " الاقتصاد " في العبادة . وأن لزوم السنة هو يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة فإن أصحابها لا بد أن يقعوا في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين فلا بد لهم من اتباع الهوى ; ولهذا سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء ; فإن طريق السنة علم وعدل وهدى ; وفي البدعة جهل وظلم وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس .

و " الرسول " ما ضل وما غوى و " الضلال " مقرون بالغي ; فكل غاو ضال ; والرشد ضد الغي والهدى ضد الضلال وهو مجانبة طريق الفجار ، وأهل البدع كما كان السلف ينهون عنهما . قال تعالى : { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } .

[ ص: 569 ] و " الغي " في الأصل : مصدر غوى يغوي غيا ; كما يقال : لوى يلوي ليا . وهو ضد الرشد كما قال تعالى : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا } .

و " الرشد " العمل الذي ينفع صاحبه والغي العمل الذي يضر صاحبه فعمل الخير رشد وعمل الشر غي ; ولهذا قالت الجن : { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } فقابلوا بين الشر وبين الرشد وقال في آخر السورة : { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } ومنه " الرشيد " الذي يسلم إليه ماله . وهو الذي يصرف ماله فيما ينفع لا فيما يضر . وقال الشيطان : { لأغوينهم أجمعين } { إلا عبادك منهم المخلصين } وهو أن يأمرهم بالشر الذي يضرهم فيطيعونه كما قال تعالى : { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } وقال : { وبرزت الجحيم للغاوين } إلى أن قال : { فكبكبوا فيها هم والغاوون } { وجنود إبليس أجمعون } وقال : { قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } وقال : { ما ضل صاحبكم وما غوى } .

ثم إن " الغي " إذا كان اسما لعمل الشر الذي يضر صاحبه فإن عاقبة العمل أيضا تسمى غيا كما أن عاقبة الخير تسمى رشدا كما [ ص: 570 ] يسمى عاقبة الشر شرا وعاقبة الخير خيرا ; وعاقبة الحسنات حسنات ; وعاقبة السيئات سيئات . " فالحسنات والسيئات " في كتاب الله يراد بها أعمال الخير ، وأعمال الشر كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل فمن عمل خيرا وحسنات لقي خيرا وحسنات ومن عمل شرا وسيئات لقي شرا وسيئات . كذلك من عمل غيا لقي غيا وترك الصلاة ، واتباع الشهوات غي يلقى صاحبه غيا . فلهذا قال الزمخشري : كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد .

كما قيل :

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

وقال الزجاج : جزاؤه غي ; لقوله : { يلق أثاما } أي مجازاة آثام . وفي الحديث المأثور : { إن غيا واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها } وهذا تعبير عن ملاقاة الشر . وقال سبحانه : { أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات } فإن الصلاة فيها إرادة وجه الله . كما قال تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي يصلون صلاة الفجر والعصر . والداعي يقصد ربه ويريده فتكون القلوب في هذه الأشياء مريدة لربها محبة له . [ ص: 571 ] ( واتباع الشهوات هو اتباع ما تشتهيه النفس ; فإن " الشهوات " جمع شهوة والشهوة هي في الأصل : مصدر ويسمى المشتهى شهوة . تسمية للمفعول باسم المصدر .

قال تعالى { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } فجعل التوبة في مقابلة اتباع الشهوات فإنه يريد أن يتوب علينا : أي فالله يحب لنا ذلك ويرضاه ويأمر به { ويريد الذين يتبعون الشهوات } وهم الغاوون { أن تميلوا ميلا عظيما } يعدل بكم عن الصراط المستقيم إلى اتباع الشهوات عدولا عظيما فإن أصل " الميل " العدول فلا بد منه للذين يتبعون الشهوات كما قال صلى الله عليه وسلم { استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن } رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان . فأخبر أنا لا نطيق الاستقامة أو ثوابها إذا استقمنا .

وقال { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } فقوله : { كل الميل } أي يريد نهاية الميل يريد الزيغ عن الطريق والعدول عن سواء الصراط إلى نهاية الشر ; بل إذا بليت بذلك فتوسط وعد إلى الطريق بالتوبة . كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم { ميل المؤمن كميل الفرس في آخيته يحول ثم يرجع إلى آخيته . كذلك المؤمن يحول ثم يرجع [ ص: 572 ] إلى ربه } قال تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } إلى قوله : { ونعم أجر العاملين } فلم يقل لا يظلمون ولا يذنبون . بل قال : { إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } أي بذنب آخر غير الفاحشة ; فعطف العام على الخاص .

كما قال موسى : { رب إني ظلمت نفسي } وقالت بلقيس : { رب إني ظلمت نفسي } وقال تعالى عموما عن أهل القرى المهلكة : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } فظلموا أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه ; وبعصيانهم لأنبيائهم ; وبتركهم التوبة إلى ربهم . وقوله تعالى { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ولهذا قال : { والله يريد أن يتوب عليكم } ثم قال : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } .

قال مجاهد وغيره : يتبعون الشهوات الزنا وقال ابن زيد : هم أهل الباطل . وقال السدي : هم اليهود والنصارى والجميع حق ; فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع الاعتراف بأنها معصية . ثم ذكر أنه { وخلق الإنسان ضعيفا } وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة ; ولهذا قال طاووس ومقاتل : ضعيف في قلة الصبر عن النساء .

وقال الزجاج وابن كيسان : ضعيف العزم عن قهر الهوى . وقيل : ضعيف في أصل الخلقة ; لأنه خلق من ماء مهين يروى ذلك [ ص: 573 ] عن الحسن لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر ليناسب ما ذكر في الآية فإنه قال : { يريد الله أن يخفف عنكم } وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون إليه ولا تصبروا عنه . كما أباح نكاح الفتيات ; وقد قال قبل ذلك { لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم } .

فهو سبحانه مع إباحته نكاح الإماء عند عدم الطول وخشية العنت قال : { وأن تصبروا خير لكم } فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت وأنه ليس النكاح كإباحة الميتة عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه . وكذلك من أباح " الاستمناء " عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل .

فقد روي عن ابن عباس : أن نكاح الإماء خير منه وهو خير من الزنا فإذا كان الصبر عن نكاح الإماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل . لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد . واختاره ابن عقيل في المفردات ، والمشهور عنه - يعني عن أحمد - أنه محرم إلا إذا خشي العنت .

والثالث أنه مكروه إلا إذا خشي العنت . فإذا كان الله قد قال في نكاح الإماء : { وأن تصبروا خير لكم } ففيه أولى . وذلك يدل على أن الصبر عن كليهما ممكن . فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى : { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } .

و " الاستمناء " لا يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك . وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه إنما هو لمن خشي " العنت " وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته . وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة ; بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم الحد ، والصبر عن هذا من [ الواجبات لا من ] المستحبات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث