الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب قص الشارب وكان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد ويأخذ هذين يعني بين الشارب واللحية

5549 حدثنا المكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع ح قال أصحابنا عن المكي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من الفطرة قص الشارب

التالي السابق


قوله : ( باب قص الشارب ) هذه الترجمة وما بعدها إلى آخر كتاب اللباس لها تعلق باللباس من جهة الاشتراك في الزينة ، فذكر أولا التراجم المتعلقة بالشعور وما شاكلها ، وثانيا المتعلقة بالتطيب ، وثالثا المتعلقة بتحسين الصورة ورابعا المتعلقة بالتصاوير لأنها قد تكون في الثياب ، وختم بما يتعلق بالارتداف وتعلقه به خفي وتعلقه بكتاب الأدب الذي يليه ظاهر والله أعلم . وأصل القص تتبع الأثر ، وقيده ابن سيده في " المحكم " بالليل ، والقص أيضا إيراد الخبر تاما على من لم يحضره ، ويطلق أيضا على قطع شيء من شيء بآلة مخصوصة ، والمراد به هنا الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال ، وكذا قص الظفر أخذ أعلاه من غير استئصال .

قوله : ( وكان ابن عمر ) كذا لأبي ذر والنسفي وهو المعتمد ، ووقع للباقين " وكان عمر " - قلت : وهو خطأ فإن المعروف عن عمر أنه كان يوفر شاربه .

قوله : ( يحفي شاربه ) بالحاء المهملة والفاء ثلاثيا ورباعيا من الإحفاء أو الحفو والمراد الإزالة .

قوله : ( حتى يرى بياض الجلد ) وصله أبو بكر الأثرم من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال " رأيت ابن عمر يحفي شاربه حتى لا يترك منه شيئا " . وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن أبي عثمان " رأيت ابن عمر يأخذ من شاربه أعلاه وأسفله " وهذا يرد تأويل من تأول في أثر ابن عمر أن المراد به إزالة ما على طرف الشفة فقط .

[ ص: 348 ] قوله : ( ويأخذ هذين يعني بين الشارب واللحية ) كذا وقع في التفسير في الأصل ، وقد ذكره رزين في جامعه من طريق نافع عن ابن عمر جازما بالتفسير المذكور ، وأخرج البيهقي نحوه ، وقوله " بين " كذا للجميع إلا أن عياضا ذكر أن محمد بن أبي صفرة رواه بلفظ " من " التي للتبعيض ، والأول هو المعتمد .

قوله : ( حدثنا المكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع . قال أصحابنا عن المكي : عن ابن عمر ) كذا للجميع ، والمعنى أن شيخه مكي بن إبراهيم حدثه به عن حنظلة وهو ابن أبي سفيان الجمحي عن نافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا لم يذكر ابن عمر في السند ، وحدث به غير البخاري عن مكي موصولا بذكر ابن عمر فيه وهو المراد بقول البخاري " قال أصحابنا " هذا هو المعتمد وبهذا جزم شيخنا ابن الملقن - رحمه الله - لكن قال : ظهر لي أنه موقوف على نافع في هذه الطريق ، وتلقى ذلك من الحميدي فإنه جزم بذلك في " الجمع " وهو محتمل وأما الكرماني فزعم أن الرواية الثانية منقطعة لم يذكر فيها بين مكي وابن عمر أحدا فقال : المعنى أن البخاري قال : روى أصحابنا الحديث منقطعا فقالوا حدثنا مكي عن ابن عمر فطرحوا ذكر الراوي الذي بينهما ، كذا قال ، وهو وإن كان ظاهر ما أورد البخاري لكن تبين من كلام الأئمة أنه موصول بين مكي وابن عمر . وقال الزركشي : هذا الموضع مما يجب أن يعتني به الناظر ، وهو ماذا الذي أراد بقوله " قال أصحابنا عن المكي عن ابن عمر " فيحتمل أنه رواه مرة عن شيخه مكي عن نافع مرسلا ومرة عن أصحابه مرفوعا عن ابن عمر ، ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي عن ابن عمر إلى أنه المكي ا ه . وهذا الثاني هو الذي جزم به الكرماني ، وهو مردود ، ثم قال الزركشي : ويشهد للأول أن البخاري ربما روى عن المكي بالواسطة كما تقدم في البيوع ، ووقع له في كتابه نظائر لذلك ، منها ما سيأتي قريبا في " باب الجعد " حيث قال " حدثنا مالك بن إسماعيل " فذكر حديثا ثم قال في آخره " قال بعض أصحابي عن مالك بن إسماعيل " فذكر زيادة في المتن ، ونظيره في الاستئذان في " باب قوله قوموا إلى سيدكم " . قلت : وهو قوله " حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة " فذكر حديثا وقال في آخره : " أفهمني بعض أصحابي عن أبي الوليد " فذكر كلمة في المتن . وقريب منه ما سبق في المناقب في ذكر أسامة بن زيد حيث قال : " حدثنا سليمان بن عبد الرحمن " فذكر حديثا وقال في آخره " حدثني بعض أصحابنا عن سليمان " فذكر زيادة في المتن أيضا . قلت : والفرق بين هذه المواضع وبين حديث الباب أن الاختلاف في الباب وقع في الوصل والإرسال ، والاختلاف في غيره وقع بالزيادة في المتن ، لكن اشترك الجميع في مطلق الاختلاف ، والله أعلم . وقد أورد البخاري الحديث المذكور في الباب الذي يليه من طريق إسحاق بن سليمان عن حنظلة موصولا مرفوعا ، لكنه نزل فيه درجة ، وطريق مكي وقعت لنا في " مسند ابن عمر " لأبي أمية الطرسوسي قال ، " حدثنا مكي بن إبراهيم " فذكره موصولا مرفوعا وزاد فيه بعد قوله قص الشارب والظفر وحلق العانة ، وكذا أخرجه البيهقي في " الشعب " من وجه آخر عن مكي . قلت : وهذا الحديث أغفله المزي في " الأطراف " فلم يذكره في ترجمة حنظلة عن نافع عن ابن عمر لا من طريق مكي ولا من طريق إسحاق بن سليمان ، ثم بعد أن كتب هذا ذكر لي محدث حلب الشيخ برهان الدين الحلبي أن شيخنا البلقيني قال له : القائل " قال أصحابنا " هو البخاري ، والمراد بالمكي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي فإنه مكي ، قال : والسندان متصلان ، وموضع الاختلاف بيان أن مكي بن إبراهيم لما حدث به البخاري سمى حنظلة ، وأما أصحاب البخاري فلما رووه له عن حنظلة لم يسموه بل قالوا : " عن المكي " قال فالسند الأول مكي عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر ، والثاني أصحابنا عن المكي عن نافع عن ابن عمر ، ثم قال : وفي فهم ذلك صعوبة ، وكأنه كان يتبجح بذلك ، ولقد [ ص: 349 ] صدق فيما ذكر من الصعوبة ومقتضاه أن يكون عند البخاري جماعة لقوا حنظلة وليس كذلك ، فإن الذي سمع من حنظلة هذا الحديث لا يحدث البخاري عنه إلا بواسطة وهو إسحاق بن سليمان الرازي ، وكانت وفاته قبل طلب البخاري الحديث ، قال ابن سعد مات سنة تسع وتسعين ومائة ، وقال ابن نافع وابن حبان مات سنة مائتين ، وقد أفصح أبو مسعود في " الأطراف " بالمراد فقال في ترجمة حنظلة عن نافع عن ابن عمر حديث من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب خ في اللباس " عن أحمد بن أبي رجاء عن إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر ، وعن مكي بن إبراهيم عن حنظلة عن نافع " قال : " وقال أصحابنا عن مكي عن حنظلة عن نافع عن ابن عمر " فصرح بأن مراد البخاري بقوله عن المكي المكي بن إبراهيم وأن مراده بقوله عن ابن عمر بالسند المذكور وهو عن حنظلة عن نافع عنه . والحاصل أنه كما قدمته أن مكي بن إبراهيم لما حدث به البخاري أرسله ، ولما حدث به غير البخاري وصله ، فحكى البخاري ذلك ثم ساقه موصولا من طريق إسحاق بن سليمان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث