الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الزكاة عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما رب النعم لم يعط حقها تسلط عليه يوم القيامة تخبط وجهه بأخفافها . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع قال يفر منه صاحبه ويطلبه ويقول أنا كنزك قال والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه . رواه البخاري ،

ولمسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقه إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . قيل يا رسول الله فالإبل ؟ قال ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . قيل يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ، ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالخيل ؟ قال الخيل ثلاثة هي لرجل وزر وهي لرجل ستر وهي لرجل أجر . فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام فهي له وزر ، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر ، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا يقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات ، قيل يا رسول الله فالحمر ؟ قال ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وأخرج البخاري منه ذكر الخيل والحمر ، وأخرج ذكر الإبل والغنم مختصرا من وجه آخر ، وأخرجا ذكر الإبل والبقر والغنم من حديث أبي ذر .

[ ص: 2 ]

التالي السابق


[ ص: 2 ] كتاب الزكاة عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما رب النعم لم يعط حقها تسلط عليه يوم القيامة تخبط وجهه بأخفافها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع قال يفر منه صاحبه ويطلبه ويقول أنا كنزك قال والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه رواه البخاري . (فيه) فوائد :

(الأولى) رواه البخاري من هذا الوجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة .

وروى مسلم من طريق زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى [ ص: 3 ] يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ؛ قيل يا رسول الله فالإبل ؟ قال ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ، قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . قيل يا رسول الله فالخيل ؟ قال الخيل ثلاثة هي لرجل وزر ، وهي لرجل ستر ، وهي لرجل أجر ، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام فهي له وزر ، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها [ ص: 4 ] فهي له ستر . وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج وروضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا يقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات قيل يا رسول الله فالحمر ؟ قال ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

وأخرج البخاري منه من هذا الوجه أيضا ذكر الخيل والحمر وأخرج ذكر الإبل والغنم مختصرا من رواية شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط حقها تطؤه بأخفافها وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها قال ومن حقها أن تحلب على الماء ثم ذكر جملة أخرى . وروى البخاري أيضا من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه [ ص: 5 ] عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية . وله طرق أخرى تركت ذكرها اختصارا وأخرج الشيخان ذكر الإبل والبقر والغنم من حديث أبي ذر بلفظ ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس . لفظ مسلم ولفظ البخاري والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها

والباقي بمعناه .

(الثانية) قوله إذا ما رب النعم لم يعط حقها ما هنا زائدة والرب هنا بمعنى المالك وله معان أخر ويستعمل في حق غير الله تعالى مضافا كما في هذا الحديث ولا يستعمل مع الإطلاق إلا في حق الله تعالى والنعم بفتح النون والعين المهملة وحكى في المحكم أن إسكانها لغة وفيه قولان :

(أحدهما) أنه واحد الأنعام يستعمل في الإبل والبقر والغنم وأكثر استعماله في الإبل وخصه بعضهم بالإبل والغنم وهو [ ص: 6 ] الذي ذكره في المحكم .

(الثاني) أنه يختص بالإبل وليست الأنعام جمعا له فإنها تطلق عليها وعلى البقر والغنم . صدر به في المشارق كلامه وحكاه في المحكم عن ابن الأعرابي ويوافقه اقتصاره في هذه الرواية على ذكر الأخفاف وهي الإبل دون البقر والغنم ، وقوله لم يعط حقها أي لم يؤد زكاتها بدليل قوله في حديث أبي ذر عند مسلم لا يؤدي زكاتها وسيأتي لذلك مزيد إيضاح ، فإن قلت كيف أطلق رب النعم هذا على مالكها مع ورود النهي عنه في حديث أبي هريرة لا يقل المملوك لسيده ربي ، ومثل هذا قوله عليه الصلاة والسلام في ضالة الإبل حتى يلقاها ربها (قلت) أجاب عنه صاحب النهاية بأن البهائم غير متعبدة ولا مخاطبة فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها وجعلهم أربابا لها ، قال فأما قوله تعالى اذكرني عند ربك فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم على ما كانوا يسمونهم به ومثله قول موسى عليه السلام للسامري وانظر إلى إلهك أي الذي اتخذته إلها ا هـ .

(الثالثة) قوله يسلط عليه يوم القيامة بضم أوله مبنيا للمفعول وفيه أن الله تعالى يحييها بعينها ليعاقبه بها وفي ذلك معاملة له بنقيض قصده ؛ لأنه قصد بمنع حق الله فيها الارتفاق والانتفاع بما منعه منها فكان ذلك الذي قصد الانتفاع به أضر الأشياء عليه وسلط عليه حتى باشر عقوبته بنفسه ، وقوله تخبط بفتح التاء وإسكان الخاء وكسر الباء أي تضرب ، وهذا صادق بأن تضرب وجهه وهو قاعد لكن دلت الرواية الأخرى على أنه يبطح لها وفيه زيادة يجب الأخذ بها ، فإن قلت حق الفقراء إنما هو في القدر الواجب دون جميع المال فمقتضى هذا أنه لا يعاقب إلا بخبط قدر الواجب خاصة قلت قد أمر بتطهير ماله بالزكاة فلما لم يخرجها كان المال كله غير مطهر ولم يؤد حق الله في جميعه ، والفقراء ليس لهم شيء معين بل حقهم في جميع المال ، ولو اعتبرنا ذلك لزم أن مانع زكاة ما دون خمس وعشرين من الإبل لا يعاقب بخبط شيء منها إذ الواجب ليس منها وإنما هو من الغنم ، وقد قال في حديث أبي هريرة عند مسلم لا يفقد منها فصيلا واحدا .

(الرابعة) وفيه وجوب الزكاة في الإبل والبقر والغنم إن جعلنا اسم النعم شاملا لها وهو مجمع عليه ، وقد صرح في الرواية التي زادها الشيخ رحمه الله في [ ص: 7 ] النسخة الكبرى بذكر الثلاثة قال النووي وهو أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر ا هـ وقد ورد تفصيله في أحاديث أخر وله تفاريع معروفة في كتب الفقه والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث