الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من قال إن الفقير والغني لا يفضل أحدهما صاحبه إلا بالتقوى

[ ص: 119 ] وسئل عمن قال : إن " الفقير والغني " لا يفضل أحدهما صاحبه إلا بالتقوى . فمن كان أتقى لله كان أفضل وأحب إلى الله تعالى .

وإن الحديث الصحيح الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم { يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام } هذا في حق ضعفاء المسلمين وصعاليكهم القائمين بفرائض الله تعالى وليس مختصا بمجرد ما عرف واشتهر في هذه الأعصار المتأخرة من السجاد والمرقعة والعكاز والألفاظ المنمقة ; بل هذه الهيئات المعتادة في هذه الأزمنة مخترعة مبتدعة فهل الأمر على ما ذكر أم لا ؟ ؟ .

التالي السابق


فأجاب - رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين .

قد تنازع كثير من متأخري المسلمين في " الغني الشاكر والفقير الصابر " أيهما أفضل ؟

فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد وقد حكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان . وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصنفين [ ص: 120 ] على الآخر .

وقال طائفة ثالثة ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى فأيهما كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل وإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة وهذا أصح الأقوال ; لأن الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى .

وقد قال الله تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } .

وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام .

كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع من الغنى والغنى أنفع لآخرين كما تكون الصحة لبعضهم أنفع كما في الحديث الذي رواه البغوي وغيره { إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى . ولو أفقرته لأفسده ذلك . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر . ولو أغنيته لأفسده ذلك . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم . ولو أصححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي إني بهم خبير بصير } .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم } وفي الحديث الآخر { لما علم الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل [ ص: 121 ] ما قالوا . فذكر ذلك الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وإن تأخر في الدخول كما أن السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشة بن محصن وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم . وصلى الله وسلم على محمد .



[ ص: 122 ] وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل قد كثر تنازع الناس : أيهما أفضل " الفقير الصابر أو الغني الشاكر " ؟ ؟ وأكثر كلامهم فيها مشوب بنوع من الهوى أو بنوع من قلة المعرفة والنزاع فيها بين الفقهاء والصوفية والعامة والرؤساء وغيرهم . وقد ذكر القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى في كتاب " التمام لكتاب الروايتين والوجهين " لأبيه فيها عن أحمد روايتين .

( إحداهما أن الفقير الصابر أفضل . وذكر أنه اختار هذه الرواية أبو إسحاق بن شاقلا ووالده القاضي أبو يعلى ونصرها هو .

و ( الثانية : أن الغني الشاكر أفضل اختاره جماعة منهم ابن قتيبة .

و " القول الأول " يميل إليه كثير من أهل المعرفة والفقه [ ص: 123 ] والصلاح من الصوفية والفقراء ويحكى هذا القول عن الجنيد وغيره و " القول الثاني " يرجحه طائفة منهم . كأبي العباس بن عطاء وغيره وربما حكى بعض الناس في ذلك إجماعا وهو غلط .

وفي المسألة " قول ثالث " وهو الصواب أنه ليس هذا أفضل من هذا مطلقا ولا هذا أفضل من هذا مطلقا بل أفضلهما أتقاهما . كما قال تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وقال عمر بن الخطاب : الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيتهما ركبت .

وقد قال تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } وهذا القول اختيار طائفة منهم الشيخ ابن حفص السهروردي وقد يكون هذا أفضل لقوم وفي بعض الأحوال . وهذا أفضل لقوم وفي بعض الأحوال فإن استويا في سبب الكرامة استويا في الدرجة وإن فضل أحدهما الآخر في سببها ترجح عليه ; هذا هو الحكم العام .

والفقر والغنى حالان يعرضان للعبد باختياره تارة وبغير اختياره أخرى كالمقام والسفر والصحة والمرض والإمارة والائتمار والإمامة والائتمام .

وكل جنس من هذه الأجناس لا يجوز إطلاق القول بتفضيله على الآخر ; بل قد يكون هذا أفضل في حال ; وهذا في حال وقد يستويان في حال كما في الحديث المرفوع في ( شرح السنة للبغوي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى : { وإن من عبادي من [ ص: 124 ] لا يصلحه إلا الغنى ; ولو أفقرته لأفسده ذلك ; وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي ; إني بهم خبير بصير } .

وفي هذا المعنى ما يروى : { إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا ; كما يحمي أحدكم مريضه الطعام والشراب } . ويروى في مناجاة موسى نحو هذا . ذكره أحمد في الزهد .

فهذا فيمن يضره الغنى ويصلحه الفقر كما في الحديث الآخر { نعم المال الصالح للرجل الصالح } .

وكما أن الأقوال في المسألة " ثلاثة " فالناس " ثلاثة أصناف " : غني وهو من ملك ما يفضل عن حاجته .

وفقير ; وهو من لا يقدر على تمام كفايته .

وقسم ثالث : وهو من يملك وفق كفايته ; ولهذا كان في أكابر الأنبياء والمرسلين والسابقين الأولين من كان غنيا : كإبراهيم الخليل وأيوب وداود وسليمان وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وأسعد بن زرارة وأبي أيوب الأنصاري وعبادة بن الصامت ونحوهم . ممن هو من أفضل الخلق من النبيين والصديقين .

[ ص: 125 ] وفيهم من كان فقيرا : كالمسيح عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا وعلي بن أبي طالب وأبي ذر الغفاري ومصعب بن عمير وسلمان الفارسي ونحوهم . ممن هو من أفضل الخلق من النبيين والصديقين وقد كان فيهم من اجتمع له الأمران : الغنى تارة والفقر أخرى ; وأتى بإحسان الأغنياء وبصبر الفقراء : كنبينا صلى الله عليه وسلم . وأبي بكر وعمر .

والنصوص الواردة في الكتاب والسنة حاكمة بالقسط ; فإن الله في القرآن لم يفضل أحدا بفقر ولا غنى كما لم يفضل أحدا بصحة ولا مرض . ولا إقامة ولا سفر ولا إمارة ولا ائتمار ولا إمامة ولا ائتمام ; بل قال : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وفضلهم بالأعمال الصالحة : من الإيمان ودعائمه وشعبه كاليقين والمعرفة ومحبة الله والإنابة إليه والتوكل عليه ورجائه وخشيته وشكره والصبر له . وقال في آية العدل : { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } .

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يعدلون بين المسلمين . غنيهم وفقيرهم في أمورهم . ولما طلب بعض الأغنياء من النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الفقراء نهاه الله عن ذلك . وأثنى عليهم بأنهم يريدون وجهه . فقال : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية . [ ص: 126 ] وقال : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } ولما طلب بعض الفقراء من النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يصلح له نهاه عن ذلك . وقال : { يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي . لا تأمرن على اثنين . ولا تولين مال يتيم } .

وكانوا يستوون في مقاعدهم عنده وفي الاصطفاف خلفه ; وغير ذلك . ومن اختص منهم بفضل عرف النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك الفضل كما قنت للقراء السبعين وكان يجلس مع أهل الصفة وكان أيضا لعثمان وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر ونحوهم من سادات المهاجرين والأنصار الأغنياء منزلة ليست لغيرهم من الفقراء وهذه سيرة المعتدلين من الأئمة في الأغنياء والفقراء . وهذا هو العدل والقسط الذي جاء به الكتاب والسنة وهي طريقة عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد وابن المبارك ومالك وأحمد بن حنبل . وغيرهم . في معاملتهم للأقوياء والضعفاء والأغنياء والفقراء .

وفي الأئمة كالثوري ونحوه من كان يميل إلى الفقراء ويميل على الأغنياء مجتهدا في ذلك طالبا به رضا الله حتى عتب عليه ذلك في آخر عمره ورجع عنه .

[ ص: 127 ] وفيهم من كان يميل مع الأغنياء والرؤساء : كالزهري ورجاء بن حيوة وأبي الزناد وأبي يوسف ومحمد وأناس آخرين وتكلم فيهم من تكلم بسبب ذلك ولهم في ذلك تأويل واجتهاد والأول هو العدل والقسط الذي دل عليه الكتاب والسنة .

ونصوص النبي صلى الله عليه وسلم معتدلة فإنه قد روي { أن الفقراء قالوا له : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور . يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا نتصدق فقال : ألا أعلمكم شيئا ؟ إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم ولم يلحقكم من بعدكم إلا من عمل مثل عملكم فعلمهم التسبيح المائة في دبر كل صلاة . فجاءوا إليه فقالوا : إن إخواننا من الأغنياء سمعوا ذلك ففعلوه فقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } وهذه الزيادة في صحيح مسلم من مراسيل أبي صالح فهذا فيه تفضيل للأغنياء الذين عملوا مثل عمل الفقراء من العبادات البدنية بالقلب والبدن وزادوا عليهم بالإنفاق في سبيل الله ونحوه من العبادات المالية .

وثبت عنه أيضا في الصحيح أنه قال : { يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم - خمسمائة عام - وفي رواية بأربعين خريفا } فهذا فيه تفضيل الفقراء المؤمنين بأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء المؤمنين وكلاهما حق ; فإن الفقير ليس معه مال كثير يحاسب على [ ص: 128 ] قبضه وصرفه فلا يؤخر عن دخول الجنة لأجل الحساب فيسبق في الدخول وهو أحوج إلى سرعة الثواب لما فاته في الدنيا من الطيبات . والغني يحاسب فإن كان محسنا في غناه غير مسيء وهو فوقه رفعت درجته عليه بعد الدخول وإن كان مثله ساواه وإن كان دونه نزل عنه . وليست حاجته إلى سرعة الثواب كحاجة الفقير .

ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في " حوضه " : الذي طوله شهر وعرضه شهر : { ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل أول الناس علي وردا فقراء المهاجرين : الدنسين ثيابا الشعث رءوسا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب الملوك يموت أحدهم وحاجته تختلج في صدره لا يجد لها قضاء } فكانوا أسبق إلى الذي يزيل ما حصل لهم في الدنيا من اللأواء والشدة وهذا موضع ضيافة عامة فإنه يقدم الأشد جوعا في الإطعام وإن كان لبعض المستأخرين نوع إطعام ليس لبعض المتقدمين لاستحقاقه ذلك ببذله عنده أو غير ذلك وليس في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم أصح من هذين الحديثين وفيها الحكم الفصل : إن الفقراء لهم السبق والأغنياء لهم الفضل وهذا قد يترجح تارة وهذا كالسبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومع كل ألف سبعون ألفا ; وقد يحاسب بعدهم من إذا دخل رفعت درجته عليهم .

وما روي : { أن ابن عوف يدخل الجنة حبوا } كلام موضوع [ ص: 129 ] لا أصل له ; فإنه قد ثبت بأدلة الكتاب والسنة أن أفضل الأمة أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان والعشرة مفضلون على غيرهم والخلفاء الأربعة أفضل الأمة . وقد ثبت في الصحاح أنه قال : { اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء } وثبت في الصحاح أيضا أنه قال : { احتجت الجنة والنار فقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار : ما لي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون } وقوله : { وقفت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أهل النار فقد أمر بهم إلى النار } هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : { المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير } .

فهذه الأحاديث فيها معنيان : أحدهما أن الجنة دار المتواضعين الخاشعين لا دار المتكبرين الجبارين سواء كانوا أغنياء أو فقراء ; فإنه قد ثبت في الصحيح { أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان . فقيل : يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر . ذاك فقال : لا - إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس } فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يحب التجمل في اللباس [ ص: 130 ] الذي لا يحصل إلا بالغنى وأن ذلك ليس من الكبر .

وفي الحديث الصحيح : { ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : فقير مختال وشيخ زان وملك كذاب } وكذلك الحديث المروي : { لا يزال الرجل يذهب بنفسه ثم يذهب بنفسه ثم يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله جبارا وما يملك إلا أهله } .

فعلم بهذين الحديثين : أن من الفقراء من يكون مختالا ; لا يدخل الجنة .

وأن من الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر ; يحب الله جماله . مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح { إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } ومن هذا الباب قول هرقل لأبي سفيان : أفضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم . قال : وهم أتباع الأنبياء . وقد قالوا لنوح : { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } فهذا فيه أن أهل الرئاسة والشرف يكونون أبعد عن الانقياد إلى عبادة الله وطاعته ; لأن حبهم للرئاسة يمنعهم ذلك بخلاف المستضعفين .

وفي هذا المعنى الحديث المأثور - إن كان محفوظا - { اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين } فالمساكين ضد المتكبرين . وهم الخاشعون لله . المتواضعون لعظمته الذين لا يريدون علوا في الأرض . سواء كانوا أغنياء أو فقراء .

[ ص: 131 ] ومن هذا الباب إن الله خيره : بين أن يكون عبدا رسولا وبين أن يكون نبيا ملكا فاختار أن يكون عبدا رسولا ; لأن العبد الرسول يتصرف بأمر سيده ; لا لأجل حظه وأما الملك فيتصرف لحظ نفسه وإن كان مباحا .

كما قيل لسليمان : { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ففي هذه الأحاديث : أنه اختار العبودية والتواضع . وإن كان هو الأعلى هو ومن اتبعه .

كما قال : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون } وقال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ولم يرد العلو وإن كان قد حصل له . وقد أعطي مع هذا من العطاء ما لم يعطه غيره وإنما يفضل الغنى لأجل الإحسان إلى الخلق والإنفاق في سبيل الله والاستعانة به على طاعة الله وعبادته وإلا فذات ملك المال لا ينفع بل قد يضر وقد صبر مع هذا من اللأواء والشدة على ما لم يصبر عليه غيره فنال أعلى درجات الشاكرين وأفضل مقامات الصابرين وكان سابقا في حالي الفقر والغنى لم يكن ممن لا يصلحه إلا أحدهما كبعض أصحابه وأمته .

( المعنى الثاني أن الصلاح في الفقراء أكثر منه في الأغنياء . كما أنه إذا كان في الأغنياء فهو أكمل منه في الفقراء فهذا في هؤلاء أكثر وفي هؤلاء أكثر لأن فتنة الغنى أعظم من فتنة الفقر فالسالم منها أقل . ومن سلم منها كان أفضل ممن سلم من فتنة الفقر فقط ; ولهذا [ ص: 132 ] صار الناس يطلبون الصلاح في الفقراء لأن المظنة فيهم أكثر .

فهذا هذا والله أعلم .

فلهذا السبب صارت المسكنة نسبته وكذلك لما رأوا المسكنة والتواضع في الفقراء أكثر اعتقدوا أن التواضع والمسكنة هو الفقر وليس كذلك . بل الفقر هنا عدم المال والمسكنة خضوع القلب وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من فتنة الفقر وشر فتنة الغنى وقال : بعض الصحابة ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر وقد قال صلى الله عليه وسلم { والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها } ولهذا كان الغالب على المهاجرين الفقر والغالب على الأنصار الغنى والمهاجرون أفضل من الأنصار وكان في المهاجرين أغنياؤهم من أفضل المهاجرين مع أنهم بالهجرة تركوا من أموالهم ما صاروا به فقراء بالنسبة إلى ما كانوا عليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث