الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 212 ] ( 19 ) باب فدية من أفطر في رمضان من علة

643 - ذكر فيه مالك أنه بلغه أن أنس بن مالك كبر حتى كان لا يقدر على الصيام . فكان يفتدي .

14590 - قال مالك : ولا أرى ذلك واجبا . وأحب إلي أن يفعله إذا كان قويا عليه . فمن فدى فإنما يطعم مكان كل يوم مدا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


14591 - قال أبو عمر : الخبر بذلك عن أنس صحيح متصل ، رواه حماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، ومعمر بن راشد ، عن ثابت البناني قال : كبر أنس بن مالك حتى كان لا يطيق الصوم قبل موته بعام أو عامين ، فكان يفطر ويطعم .

14592 - وروى قتادة ، عن النضر بن أنس مثله ، قال : كان يطعم عن كل [ ص: 213 ] يوم مسكينا .

14593 - قال أبو عمر : اختلف عن أنس في صفة إطعامه ، فروي عنه مد لكل مسكين ، وروي عنه نصف صاع ، وروي عنه أنه كان يجمعهم فيطعمهم فربما جمع ثلاث مئة مسكين فأطعمهم وجبة واحدة . وربما أطعم ثلاثين مسكينا كل ليلة من رمضان يتطوع بذلك ، وكان يصنع لهم الجفان من الخبز واللحم .

14594 - قال أبو عمر : أجمع العلماء على أن للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يطيقان الصوم الإفطار ، ثم اختلفوا في الواجب عليهما .

14595 - فقال مالك ما ذكرناه عنه في " موطئه " .

14596 - وروى عنه أشهب قال : قال ربيعة في الكبير والمستعطش : إذا أفطرا إنما عليهما القضاء ولا إطعام عليهما .

14597 - قال أشهب : وقال لي مالك مثله .

14598 - وقال الأوزاعي : قال الله - عز وجل - : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى قوله : فدية طعام مسكين [ البقرة : 183 - 184 ] . قال : كان من أطاق الصيام إن شاء صام وإن شاء أطعم فنسختها هذه الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة : 185 ] فثبت الفدية للكبير الذي لا يطيق الصوم أن يطعم لكل يوم مسكينا مدا من حنطة .

[ ص: 214 ] 14599 - وقال الشافعي : الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ويقدر على الكفارة يتصدق عن كل يوم بمد من حنطة .

14600 - قلته خبرا عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقياسا على من لم يطق الحج أنه يحج عنه غيره ، وليس عمل غيره عمله عن نفسه كما ليس الكفارة كعمله .

14601 - قال : والحال التي يترك فيها الكبير الصوم يجهده الجهد غير المحتمل .

14602 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم : يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا نصف صاع من حنطة ، ولا شيء عليه غير ذلك .

14603 - وقال أبو ثور : أما الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم فإنه يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينا إذا كان الصوم يجهده ، وإن كان لا يقدر على الصوم فلا شيء عليه .

14604 - قال أبو عمر : قال الله تعالى : كتب عليكم الصيام إلى قوله : فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم [ البقرة : 183 - 184 ] .

14605 - قوله تعالى : يطيقونه هو الثابت بين لوحي المصحف المجتمع عليه ، وهي القراءة الصحيحة التي يقطع بصحتها ويقطع الفرد بمجيئها .

14606 - وقد اختلفت العلماء بتأويلها .

[ ص: 215 ] 14607 - قال منهم قائلون : هي منسوخة .

14608 - قالوا : كان المقيم الصحيح المطيق للصيام مخيرا بين أن يصوم رمضان وبين أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ، وإن شاء صام منه ما شاء وأطعم عما شاء ، فكان الأمر كذلك حتى أنزل الله - عز وجل - : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر الآية [ البقرة : 184 ] فنسخ به ما تقدم من التخيير بين الصوم والإطعام .

14609 - واختلفوا مع هذا في تأويل قوله : فمن تطوع خيرا فهو خير له [ البقرة : 184 ] .

14610 - فقال بعضهم يطعم مسكينين عن كل يوم مدا مدا أو نصف صاع .

14611 - وقال بعضهم : يطعم مسكينا أكثر مما يجب عليه .

14612 - وقال بعضهم : أراد بقوله : فمن تطوع خيرا فهو خير له [ البقرة : 184 ] أن يصوم مع الفدية .

14613 - قال : والصوم مع ذلك خير له من ذلك ، وكل هؤلاء يقولون : الآية . منسوخة بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه [ البقرة : 185 ] .

14614 - وممن قال بذلك عبد الله بن عباس ، رواه أيوب وخالد الحذاء عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس .

14615 - ورواه يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

14616 - ورواه ابن جريج ، وعثمان بن عطاء الخراساني ، عن عطاء ، عن [ ص: 216 ] ابن عباس .

14617 - وهو قول سلمة بن الأكوع لم يختلف عنه فيه ، وقول علقمة وعبيدة ، وابن سيرين ، والشعبي ، وابن شهاب الزهري .

14618 - وهو قول جماعة من أهل الحجاز والعراق إلا أنهم في قولهم : إنها منسوخة ، مفترقون فرقتين .

14619 - منهم من قال : منسوخة جملة في الشيخ وفي غيره .

14620 - ومن قول هؤلاء أو بعضهم أن الناس لا يخلون من إقامة أو سفر ومن صحة أو مرض ، فالصحيح المقيم غير مخير ; لأن الصوم كان عليه فرضا واجبا لقدرته على ذلك وإقامته ببلده ، والمسافر يخير على ما تقدم من حكمه في كتاب الله - عز وجل - فإن أفطر فعليه عدة من أيام أخر ولا فدية . والمريض لا يخلو من أن يرجى برؤه وصحته ، فهنا إن صح قضى ما عليه عدة من أيام أخر ، وإن لم يطمع له بصحة ولا قوة كالشيخ والعجوز اللذين قد انقطعت قوتهما ولا يطمعان أن يثوب إليهما حال يمكنهما من القضاء فلا شيء عليهما من فدية ولا غيرها ; لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها .

14621 - هذا معنى قول القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، ومكحول الدمشقي ، وربيعة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن عبد العزيز ، ومالك وأصحابه ، وبه [ ص: 217 ] قال أبو ثور ، وداود . ورواية عن قتادة .

14622 - إلا أن مالكا يستحب للشيخ الذي يقدر على الصيام إذا قدر على الفدية بالطعام أن يطعم عن كل يوم مدا لمسكين من قوته ، ولا يرى ذلك عليه واجبا عليه .

14623 - وذهبت الفرقة الأخرى تقرأ يطيقونه وترى الآية منسوخة إلا أن النسخ فيها على بعض المطيقين للصوم .

14624 - وهي محكمة عند بعضهم ، فقالوا : كل من طاق الصوم فلا مشقة تضر به ، فالصوم واجب عليه ، وكل من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرة به فله أن يفطر ويفتدي ؛ لقول الله - عز وجل - : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم [ ص: 218 ] العسر [ البقرة : 185 ] .

14625 - قالوا : وذلك في الشيخ الكبير ، والعجوز ، والحامل ، والمرضع الذين لا يطيقون الصيام إلا بجهد ومشقة خوفا على الولد .

14626 - وذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم : أنس بن مالك ، وابن عباس في رواية ، وعطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وعكرمة .

14627 - وشريح كان يطعم عن نفسه ولا يصوم كفعل أنس بن مالك .

14628 - وبهذا قال الثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والحسن بن حي ، والأوزاعي ، والشافعي ، وطائفة من أهل المدينة ، منهم : يحيى بن سعيد ، وأبو الزناد ، وابن شهاب في رواية .

14629 - وهو معنى قراءة من قرأ يطيقونه لأن القراءتين على هذا التأويل غير متناقضتين .

14630 - وهذا شأن الحروف السبعة : يختلف سماعها ويتفق مفهومها ; فقراءة من قرأ يطيقونه يعني بمشقة ، وهو بمعنى يطوقونه أي : يتكلفونه ، ولا يطيقونه إلا بمشقة .

14631 - وعن ابن شهاب رواية أخرى وهي أصح ، وذلك إن كان يرى الآية في التخيير بين الإطعام والصيام للمسافر والمريض خاصة ، وقرأها منسوخة كما ذكرنا من قوله - عز وجل - : فمن شهد منكم الشهر فليصمه . . فعدة من أيام أخر [ ص: 219 ] قال : القضاء باق ونسخ الخيار .

14632 - قال أبو عمر : قول ابن شهاب هذا كالقول الأول الذي حكيناه عن ربيعة ، ومالك ، ومن ذكرنا معهم في ذلك .

14633 - ومن حجة من قال بوجوب الفدية ظاهر قول الله - عز وجل - : وعلى الذين يطيقونه يريد : يطيقونه ، ويشق عليهم ، ويضر بهم فدية طعام قال : لو أفطر هؤلاء في الآية المحكمة ، ألزموا الفدية بدلا من الصوم ، كما ألزم من لا يطيق الحج ببدنه أن يحج غيره بماله ، وكما ألزم الجميع الجاني على عضو مخوف الدية بدلا من القصاص في قول الله - عز وجل - : والجروح قصاص [ المائدة : 45 ] .

14634 - قال أبو عمر : الاحتجاج بهذه الأقوال يطول ، وقد أكثروا فيها ، والصحيح في النظر - والله أعلم - قول من قال : إن الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام ؛ لأن الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه ؛ لأنه لم يوجب فرضا إلا على من أطاقه ، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة ، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه ، وأما الفدية فلم تجب بكتاب مجتمع على تأويله ، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه ، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة ، ولا عن من بعدهم ، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه والذمة بريئة .

14635 - قالوا : أحب أن لا يوجب فيها شيء إلا بدليل لا تنازع فيه . والاختلاف عن السلف في إيجاب الفدية موجود ، والروايات في ذلك عن ابن عباس [ ص: 220 ] مختلفة . وحديث علي لا يصح عنه ، وحديث أنس بن مالك يحتمل أن يكون طعامه عن نفسه تبرعا وتطوعا ، وهو الظاهر في الأخبار عنه في ذلك .

14636 - وأما الذين كانوا يقرءون : ( على الذين يطوقونه فدية طعام مساكين ) فهذه القراءة رويت عن ابن عباس من طرق ، وعن عائشة ، كذلك كان يقرأ مجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وجماعة من التابعين وغيرهم ، وكلهم يذهب إلى أن الآية محكمة في الشيخ ، والعجوز ، والحامل ، والمرضع الذين يكلفون الصيام ولا يطيقونه . وسيأتي ذكر الحامل والمرضع في هذا الباب إن شاء الله .

14637 - ومعنى يطيقونه عند جميعهم : يكلفونه .

14638 - ثم اختلفوا فقال بعضهم : يكلفونه ولا يطيقونه إلا بجهد ومشقة مضرة ، فهؤلاء جعلت عليهم الفدية .

14639 - وهذا القول نحو ما قدمنا عن الذين ذهبوا إلى ذلك ممن قرأ القراءة الثابتة في المصحف يطيقونه .

14640 - وقال بعضهم : يكلفونه ولا يطيقونه على حال النية ، فألزموا الفدية بدلا من الصوم ، وذكروا نحو ما ذكرنا من الحجة ومعارضات لم أر لذكرها وجها ؛ لأن القراءة غير ثابتة في المصحف ولا يقطع بها على الله تعالى ، وإنما مجراها مجرى أخبار الآحاد العدول في الأحكام .

14641 - وفيما ذكرنا كفاية ودلالة على ما عنه سكتنا ، وبالله توفيقنا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث