الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا

إذ يوحي ربك إلى الملائكة متعلق بمضمر مستأنف أي: اذكر. خوطب به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بطريق التجريد حسبما ينطق به الكاف، وقيل: منصوب ب يثبت ويتعين حينئذ عود الضمير المجرور في به إلى الربط ليكون المعنى ونثبت الأقدام بتقوية قلوبكم وقت الإيحاء إلى الملائكة، والأمر بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال، ولا يصح أن يعود إلى الماء لتقدم زمانه على ذلك، وقال بعضهم: يجوز ذلك لأن التثبيت بالمطر باق إلى زمانه أو يعتبر الزمان متسعا قد وقع جميع المذكور فيه، وفائدة التقييد التذكير بنعمة أخرى والإيماء إلى اقتران تثبيت الأقدام بتثبيت القلوب المأمور به الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أو الرمز إلى أن التقوية وقعت على أتم وجه، وقيل: هو بدل ثالث من: ( إذ يعدكم ) ويبعده تخصيص الخطاب بسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام. واختار بعض المحققين الأول مدعيا أن في الثاني تقييد التثبيت بوقت مبهم وليس فيه مزيد فائدة. وفي الثالث إباء التخصيص عنه مع أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته ولا يستطيعه غيره عليه الصلاة والسلام لأن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المذكور.

ولا يخفى على المتأمل أن ما ذكر لا يقتضي تعين الأول نعم يقتضي أولويته.

والمراد بالملائكة الملائكة الذين وقع بهم الإمداد، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة، والمعنى: إذ أوحي أني معكم . أي: معينكم على تثبيت المؤمنين، ولا يمكن حمله على إزالة الخوف كما في قوله سبحانه وتعالى: لا تحزن إن الله معنا لأن الملائكة لا يخافون من الكفرة أصلا، وما تشعر به كلمة (مع) من متبوعية الملائكة لا يضر في مثل هذه المقامات، وهو نظير: إن الله مع الصابرين ونحوه، والمنسبك مفعول يوحي، وقرئ: إني بالكسر على تقدير القول أي: قائلا: إني معكم، أو إجراء الوحي مجراه لكونه متضمنا معناه، والفاء في قوله سبحانه: فثبتوا الذين آمنوا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالتثبيت الحمل على الثبات في موطن الحرب والجد في مقاساة شدائد القتال قالا أو حالا، وكان ذلك هنا في قول بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم، وجاء في رواية: كان الملك يتشبه بالرجل فيأتي ويقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لنكشفن ويمشي بين الصفين ويقول: أبشروا؛ فإن الله تعالى ناصركم.

وقال الزجاج: كان بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم، وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له الهام كما أن للشيطان قولة إلقاء الشر ويقال له وسوسة، وقيل: كان ذلك بمجرد تكثير السواد.

وعن الحسن أنه كان بمحاربة أعدائهم، وذهب إلى ذلك جماعة وجعلوا قوله تعالى: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب تفسيرا لقوله تعالى: ( إني معكم ) كأنه قيل: إني معكم في إعانتهم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، والرعب بضم فسكون وقد يقال بضمتين وبه قرأ ابن عامر والكسائي الخوف وانزعاج النفس بتوقع المكروه، وأصله التقطيع من قولهم: رعبت السنام ترعيبا إذا قطعته مستطيلا، كأن الخوف يقطع الفؤاد أو يقطع السرور بضده، وجاء [ ص: 178 ] رعب السيل الوادي إذا ملأه كأن السيل قطع السلوك فيه أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات، وجعلوا قوله سبحانه وتعالى: فاضربوا إلخ تفسيرا لقوله تبارك وتعالى: فثبتوا مبين لكيفية التثبيت، وقد أخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، على أبي داود المازني قال: بينا أنا أتبع رجلا من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري.

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بينما رجل من المسلمين، يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلا يقول: أقدم حيزوم فخر المشرك مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه فجاء فحدث بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: صدقت؛ ذلك من مدد السماء الثالثة.

وجوز بعضهم أن يكون التثبيت بما يلقون إليهم من وعد النصر وما يتقوى به قلوبهم في الجملة، وقوله سبحانه وتعالى: سألقي إلخ جملة استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنه مصدقه ومبينه لإعانته إياهم على التثبيت، وقوله سبحانه وتعالى: فاضربوا إلخ جملة مستعقبة للتثبيت بمعنى: لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ، وكأن المعنى: أني معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا. وجيء بالفاء للنكتة المذكورة، ووسط (سألقي) تصديقا للتثبيت وتمهيدا للأمر بعده، وعلى الاحتمالين تكون الآية دليلا لمن قال: إن الملائكة قاتلت يوم بدر، وقال آخرون: التثبيت بغير المقاتلة، وقوله عز وجل: سألقي تلقين منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسير للتثبيت أو استئناف بياني، والخطاب في فاضربوا للمؤمنين صادرا من الملائكة حكاه الله تعالى لنا، وجوز أن يكون ذلك الكلام من جملة الملقن داخلا تحت القول، كأنه قيل: قولوا لهم قولي: (سألقي) إلخ، أو كأنه قيل: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قولي: (سألقي) إلخ، ولا يخفى أن هذا القول أضعف الأقوال معنى ولفظا. وأما القول بأن (فاضربوا) إلخ خطاب منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال، وأنى ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة، وبالجملة الآية ظاهرة فما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة فوق الأعناق أي: الرؤوس كما روي عن عطاء وعكرمة، وكونها فوق الأعناق ظاهر. وأما المذابح كما قال البعض فإنها في أعالي الأعناق و (فوق) باقية على ظرفيتها لأنها لا تتصرف، وقيل: إنها مفعول به وهي بمعنى الأعلى إذا كان بمعنى الرأس، وقيل: هي هنا بمعنى على والمفعول محذوف أي: فاضربوهم على الأعناق، وقيل: زائدة أي: فاضربوا الأعناق واضربوا منهم كل بنان .

قال ابن الأنباري: البنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين والواحدة بنانة وخصها بعضهم باليد.

وقال الراغب: هي الأصابع وسميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي بها يمكن للإنسان أن يبن أي: يقيم من أبن بالمكان وبن إذا أقام، ولذلك خص في قوله سبحانه وتعالى: بلى قادرين على أن نسوي بنانه وما نحن فيه لأجل أنهم يقاتلون ويدافعون، والظاهر أنها حقيقة في ذلك، وبعضهم يقول: إنها مجاز فيه من تسمية الكل باسم الجزء.

وقيل: المراد بها هنا مطلق الأطراف لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل. والمراد: اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وآثره في الكشاف، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الجسد كله في لغة هذيل، ويقال فيها بنام بالميم وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره و (منهم) متعلق به أو بمحذوف [ ص: 179 ] وقع حالا من (كل بنان)، وضعف كونه حالا من بنان بأن فيه تقديم حال المضاف إليه على المضاف

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث