الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في وصال شعبان برمضان

736 حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان وفي الباب عن عائشة قال أبو عيسى حديث أم سلمة حديث حسن وقد روي هذا الحديث أيضا عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله حدثنا هناد حدثنا عبدة عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وروي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث قال هو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صام الشهر كله ويقال قام فلان ليله أجمع ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين يقول إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر قال أبو عيسى وقد روى سالم أبو النضر وغير واحد عن أبي سلمة عن عائشة نحو رواية محمد بن عمرو

التالي السابق


قوله : ( ما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصوم شهرين متتابعين إلخ ) وفي رواية أبي داود وغيره : أنه لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصله برمضان ، وهذا اللفظ أوفق لما ترجم به الترمذي . قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الرواية : أي كان يصوم معظمه واستدل عليه برواية عائشة عند مسلم بلفظ : كان يصوم شعبان إلا قليلا وسيجيء تحقيقه .

قوله : ( حديث أم سلمة حديث حسن ) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره ، ( وقد روي هذا الحديث أيضا عن أبي سلمة عن عائشة ) قال الحافظ في الفتح : يحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة وأم سلمة ، ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة وعن أم سلمة تارة أخرى أخرجهما النسائي ، انتهى .

[ ص: 361 ] قوله : ( ما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في شهر أكثر ) بالنصب على أنه ثاني مفعول رأيت ( صياما ) تمييز ( منه ) أي من النبي -صلى الله عليه وسلم- ( في شعبان ) متعلق بـ ( صياما ) ، والمعنى كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور سوى رمضان وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه كذا ذكره الطيبي . وقال بعض الشراح قوله : " في شهر " يعني به غير شعبان وهو حال من المستكن في أكثر " وفي شعبان " حال من المجرور في منه العائد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، أي ما رأيته كائنا في غير شعبان أكثر صياما منه كائنا في شعبان ، مثل زيد قائما أحسن منه قاعدا ، أو كلاهما ظرف أكثر الأول باعتبار الزيادة والثاني باعتبار أصل المعنى ولا تعلق له برؤيته ، وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة ، كذا ذكره القاري ( كان يصومه إلا قليلا ، بل كان يصومه كله ) أي لغاية القلة ، وفي رواية مسلم من طريق أبي لبيد عن أبي سلمة عن عائشة . كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا .

قوله : ( كأن ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين يقول إنما معنى الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر ) المراد بكلا الحديثين الحديث الذي ورد فيه صوم أكثر شعبان والحديث الذي جاء فيه صوم شعبان كله . قال الحافظ في الفتح : حاصل ما قال ابن المبارك أن الرواية الأولى مفسرة للثانية وأن المراد بالكل الأكثر ، وهو مجاز قليل الاستعمال واستبعده الطيبي قال ؛ لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول ودفع التجوز فتفسيره بالبعض مناف له ، قال فيحمل على أنه كان يصوم شعبان [ ص: 362 ] كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان ، وقيل المراد بقولها " كله " أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورا فلا يخلي شيئا منه من صيام ولا يخص بعضه بصيام دون بعض .

وقال الزين بن المنير : إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر ، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول ، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان وأخبرت ثانيا عن آخر أمره أنه كان يصومه كله ، انتهى .

ولا يخفى تكلفه والأول هو الصواب ، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق عن عائشة عند مسلم وسعد بن هشام عنها عند النسائي ولفظه : ولا صام شهرا كاملا قط منذ قدم المدينة غير رمضان ، انتهى كلام الحافظ .

واختلف في الحكمة في إكثاره -صلى الله عليه وسلم- من صوم شعبان على أقوال قد ذكرها الحافظ في الفتح وقد ذكر في تأييد بعضها بعض الأحاديث الضعاف ثم قال : والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصح مما مضى أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال : قلت : يا رسول الله ، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال : " ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم " ، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه : إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم ، قال ولا تعارض بين هذا وبين ما جاء من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده ، انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث