الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 539 ] [ ص: 540 ] [ ص: 541 ] الباب الأول :

في بيان ما هو في حقه - صلى الله عليه وسلم - سب أو نقص من تعريض أو نص

الفصل الأول : الحكم الشرعي فيمن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو تنقصه

اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو عابه ، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه ، أو خصلة من خصاله ، أو عرض به ، أو شبهه بشيء على طريق السب له ، أو الإزراء عليه ، أو التصغير لشأنه أو الغض منه ، والعيب له ، فهو ساب له ، والحكم فيه حكم الساب ، يقتل كما نبينه ، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد ، ولا نمتري فيه تصريحا كان أو تلويحا . وكذلك من لعنه أو دعا عليه ، أو تمنى مضرة له ، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم ، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام ، وهجر ومنكر من القول وزور ، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء ، والمحنة عليه ، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة ، والمعهودة لديه .

وهذا كله إجماع من العلماء ، وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا .

وقال أبو بكر بن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتل ، وممن قال ذلك مالك بن أنس ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وهو مذهب الشافعي .

قال القاضي أبو الفضل : وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ، ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين .

وبمثله قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، وأهل الكوفة ، والأوزاعي في المسلمين ، لكنهم قالوا : هي ردة .

روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك .

وحكى الطبري مثله عن أبي حنيفة ، وأصحابه فيمن تنقصه - صلى الله عليه وسلم - ، أو برئ منه أو كذبه .

وقال سحنون فيمن سبه : ذلك ردة كالزندقة .

وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته ، وتكفيره ، وهل قتله حد أو كفر ، كما سنبينه في الباب الثاني إن شاء الله - تعالى - ، ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار ، وسلف الأمة ، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله ، وتكفيره ، وأشار بعض الظاهرية ، وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف في تكفير المستخف به .

والمعروف ما قدمناه ، قال محمد بن [ ص: 542 ] سحنون : أجمع العلماء أن شاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - المتنقص له كافر . والوعيد جار عليه بعذاب الله ، وحكمه عند الأمة القتل ، ومن شك في كفره ، وعذابه كفر .

واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحبكم .

وقال أبو سليمان الخطابي : لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما .

وقال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون ، والمبسوط ، والعتبية ، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب : من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين قتل ، ولم يستتب .

قال ابن القاسم في العتبية : من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل ، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق .

وقد فرض الله - تعالى - توقيره ، وبره . وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة : من شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين قتل أو صلب حيا ، ولم يستتب ، والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله .

ومن رواية أبي المصعب ، وابن أبي أويس : سمعنا مالكا يقول : من سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو شتمه ، أو عابه ، أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ، ولا يستتاب .

وفي كتاب محمد : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال : من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ، ولم يستتب .

وقال أصبغ : يقتل على كل حال أسر ذلك أو أظهره ، ولا يستتاب ، لأن توبته لا تعرف .

وقال عبد الله بن الحكم : من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من مسلم أو كافر قتل ، ولم يستتب .

وحكى الطبري مثله عن أشهب ، عن مالك .

وروى ابن وهب ، عن مالك : من قال : إن رداء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويروى زر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسخ ، أراد عيبه قتل .

وقال بعض علمائنا : أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل ، أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة .

وأفتى أبو [ ص: 543 ] الحسن القابسي فيمن قال في النبي - صلى الله عليه وسلم - : الحمال يتيم أبي طالب بالقتل .

وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية ، فقال لهم : تريدون تعرفون صفته ، هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته . قال : ولا تقبل توبته .

وقد كذب لعنه الله ، وليس يخرج من قلب سليم الإيمان .

وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : من قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أسود يقتل .

وقال في رجل قيل له : لا وحق رسول الله . فقال فعل الله برسول الله كذا وكذا ، وذكر كلاما قبيحا ، فقيل له : ما تقول يا عدو الله ؟ فقال أشد من كلامه الأول ، ثم قال : إنما أردت برسول الله العقرب . فقال ابن أبي سليمان للذي سأله : اشهد عليه ، وأنا شريكك يريد في قتله ، وثواب ذلك .

قال حبيب بن الربيع : لأن ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل ، لأنه امتهان وهو غير معزر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا موقر له ، فوجب إباحة دمه .

وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار ، قال لرجل : أد ، واشك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : إن سألت أو جهلت فقد جهل ، وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقتل . وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي ، وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم ، وختن حيدرة ، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا ، ولو قدر على الطيبات أكلها ، إلى أشباه لهذا .

وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري ، وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم ، وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة ، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله ، وأنبيائه ، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - ، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر ، وغيره من الفقهاء ، وأمر بقتله ، وصلبه ، فطعن بالسكين ، وصلب منكسا ، ثم أنزل ، وأحرق بالنار .

[ ص: 544 ] وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته ، وزالت عنها الأيدي استدارت ، وحولته عن القبلة ، فكان آية للجميع ، وكبر الناس ، وجاء كلب فولغ في دمه ، فقال يحيى بن عمر : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر حديثا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا يلغ الكلب في دم مسلم .

وقال القاضي أبو عبد الله بن المرابط : من قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هزم يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل ، لأنه تنقص ، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته ، إذ هو على بصيرة من أمره ، ويقين من عصمته .

وقال حبيب بن ربيع القروي : مذهب مالك ، وأصحابه أن من قال فيه - صلى الله عليه وسلم - : ما فيه نقص قتل دون استتابة .

وقال ابن عتاب : الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأذى أو نقص ، معرضا أو مصرحا ، وإن قل فقتله واجب ، فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله ، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم ، وإن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه ، ونبينه بعد .

وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر ، أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه ، أو أذى من عدوه ، أو شدة من زمنه ، أو بالميل إلى نسائه ، فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل .

وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك ، ويأتي ما يدل عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث