الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 127 ] وإذا ما أنـزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون .

وإذا ما أنـزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد

قال الزمخشري : يعني تغامزوا بالعيون إنكارا للوحي ، وسخرية به ، قائلين : هل يراكم من أحد من المسلمين لننصرف ، فإنا لا نصبر على استماعه ، ويغلبنا الضحك ، فنخاف الافتضاح بينهم ، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا . يقولون : هل يراكم من أحد ثم انصرفوا أي : عن محفل الوحي خوفا من الافتضاح صرف الله قلوبهم أي : عن الإيمان حسب انصرافهم عن حضرته عليه السلام .

والجملة إخبارية أو دعائية بأنهم أي : بسبب أنهم قوم لا يفقهون أي : لا يتدبرون أمر الله حتى يفقهوا .

تنبيهات :

الأول : دلت الآية المتقدمة على زيادة الإيمان بما ذكر ، وسواء قلنا بدخول الأعمال في مسمى الإيمان ، وهو الحق أو لا ، وأنه مجرد التصديق القلبي ، فالزيادة مما يقبلها قطعا ، والأول بديهي ، والثاني مثله ، إذ ليس إيمان الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، والصحابة رضي الله عنهم ، كإيمان غيرهم وهذا مما لا يرتاب فيه .

الثاني : ذكر تعالى من مخازي المنافقين نوعين : عدم اعتبارهم بالابتلاء ، وتمكن الكفر [ ص: 3304 ] منهم ، وازدياده في وقت يقتضي زيادة الإيمان ، وهو تكرير التنزيل .

ولما كان القصد بيان إصرارهم على كفرهم ، وعدم نفع العظات فيهم ، ختم مخازيهم بذلك ، لأنه نتيجتها ، وقدم عليه ما يصيبهم من الابتلاء ، لأن فيه ردعا عظيما لو تذكروا .

وقد تلطف القاشاني في إيضاح ذلك ، وجود التقرير فيه ، وعبارته :

البلاء قائد من الله تعالى يقود الناس إليه ، وقد ورد في الحديث : « البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه » ، فإن كل مرض وفقر وسوء حال يحل بأحد ، بكسر سورة نفسه وقواها ، ويقمع صفاتها وهواها ، فيلين القلب ، ويبرز من حجابها ، وينزعج من الركون إلى الدنيا ولذاتها ، وينقبض منها ويشمئز ، فيتوجه إلى الله .

وأقل درجاته أنه إذا اطلع على أن لا مفر منه إلا إليه ، ولم يجد مهربا ومحيصا من البلاء سواه ، تضرع إليه وتذلل بين يديه ، كما قال : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما

وبالجملة يوجب رقة الحجاب أو ارتفاعه ، فليغتنم وقته وليتعوذ ، وليتخذ ملكة يعود إليها أبدا حتى يستقر التيقظ والتذكر ، وتتسهل التوبة والحضور ، فلا يتعود الغفلة عند الخلاص فتغلب ، وتتقوى النفس عند الأمان ، وينسبل الحجاب أغلظ مما كان ، كما قال : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه انتهى .

الثالث : قال السيوطي في ( " الإكليل " ) : أخذ ابن عباس من قوله : ثم انصرفوا كراهية أن يقال : انصرفت من الصلاة - أخرجه ابن أبي حاتم - .

ومرجع هذا إلى أدب لفظي ، باجتناب ما يوهم ، أو ما نعي به على العصاة .

[ ص: 3305 ] وقد عقد الإمام ابن القيم في ( " زاد المعاد " ) فصلا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق ، واختيار الألفاظ ، فليراجع .

ثم بين تعالى ما امتن به على المؤمنين من بعثة خاتم النبيين بقوله :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث