الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب استيفاء القصاص قبل اندمال الجرح والاختلاف فيه

[ ص: 455 ] باب في استيفاء القصاص قبل اندمال الجرح ، والاختلاف فيه

لا قصاص حتى يبرأ المجروح - وحديث عن عبد الله بن عمرو - وآخر عن جابر - اختلاف أهل العلم - قول الدارقطني - الدليل على النسخ .

قرأت على محمد بن ذاكر بن محمد المستملي ، أخبرك الحسن بن أحمد ، أخبرك محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا محمد بن مخلد ، حدثنا إسماعيل بن الفضل ، حدثنا يعقوب بن حميد ، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي ، عن ابن جريج ، وعثمان بن الأسود ، ويعقوب بن عطاء ، عن أبي الزبير ، عن جابر - رضي الله عنه - أن رجلا جرح ؛ فأراد أن يستقيد ، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح .

وقال أبو بكر النيسابوري ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي ، حدثنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن [ ص: 456 ] شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتص من جرح حتى ينتهي .

وروى يزيد بن عياض ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يستأنى بالجراحات سنة

وقد روي هذا الحديث عن جابر من غير وجه ، وإذا اجتمعت هذه الطرق قوي الاحتجاج بها .

وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب :

فذهب أكثرهم إلى القول بظاهر هذه الأخبار ، ورأوا أن ينتظر بالجرح إلى أوان البرء ؛ وإليه ذهب مالك وأكثر أهل المدينة ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وأهل الكوفة ، وأحمد بن حنبل .

وخالفهم في ذلك نفر من أهل العلم وقالوا : للمجني عليه أن يستوفي القصاص في الطرف حالة القطع ، ولا ينتظر أوان البرء ، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه ، وتمسكوا في ذلك بحديث أخبرنيه أبو الفضل الأديب ، أخبرنا سعد بن علي ، أخبرنا القاضي أبو الطيب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد ، حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني عمرو بن دينار ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، أنه أخبرهم : أن رجلا طعن رجلا بقرن في رجله ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أقدني . فقال : حتى تبرأ . قال : أقدني . قال : حتى تبرأ . قال [ ص: 457 ] أقدني . فأقاده ، ثم عرج ، فجاء المستقيد فقال : حقي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا حق لك .

ورواه معمر ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن طلحة مثله ، ورواه إسماعيل بن علية ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، وقد اختلف عليه فيه : فرواه عنه أحمد بن حنبل مرسلا ، وخالفه فيه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ، فروياه عن إسماعيل ابن علية عن أيوب عن عمرو عن جابر موصولا ، والقول ما قاله أحمد .

قال الدارقطني : أخطأ ابنا أبي شيبة ، والمرسل هو المحفوظ ، كذلك يقوله أصحاب عمرو بن دينار .

ووجه الدليل من هذا الحديث فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم ينتظر إلى أوان البرء بل أقاده في الحال ، يقال على هذا : الاستدلال بهذا الحديث غير سائغ ؛ لأن في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما يدل على أن هذا الحكم منسوخ ، وإنما أقاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه القضية حسب ، ولم يقد بعد ذلك .

[ ص: 458 ] ذكر ما يدل على النسخ

أخبرني محمد بن ذاكر بن محمد المستملي ، أخبرنا إسماعيل بن الفضل ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بمصر ، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدوس ، حدثنا القواريري ، حدثنا محمد بن عمران ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبتيه ، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقدني . قال : حتى تبرأ . ثم جاء إليه فقال : قد نهيتك فعصيتني ؛ فأبعدك الله وبطل عرجك . ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه .

هذا الحديث يروى عن ابن جريج من غير وجه ، فإن صح سماع ابن جريج عن عمرو بن شعيب فهو حديث حسن يقوى الاحتجاج به لمن يرى الحكم الأول منسوخا ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث