الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون

قوله تعالى : " وعلى الله قصد السبيل " القصد : استقامة الطريق ، يقال : طريق قصد وقاصد : إذا قصد بك ما تريد . قال الزجاج : المعنى : وعلى الله تبيين الطريق المستقيم ، والدعاء إليه بالحجج والبرهان .

قوله تعالى : " ومنها جائر " قال أبو عبيدة : السبيل لفظه لفظ الواحد ، وهو في موضع الجميع ، فكأنه قال : ومن السبل سبيل جائر . قال ابن الأنباري : لما ذكر السبيل ، دل على السبل ، فلذلك قال : " ومنها جائر " كما دل الحدثان على الحوادث في قول العبدي :


ولا يبقى على الحدثان حي فهل يبقى عليهن السلام



أراد : فهل يبقى على الحوادث ، والسلام : الصخور ، قال : ويجوز أن يكون إنما قال : " ومنها " لأن السبيل تؤنث وتذكر ، فالمعنى : من السبيل جائر . وقال ابن قتيبة : المعنى : ومن الطرق جائر لا يهتدون فيه ، والجائر : العادل عن [ ص: 433 ] القصد ، قال ابن عباس : ومنها جائر الأهواء المختلفة . وقال ابن المبارك : الأهواء والبدع .

قوله تعالى : " هو الذي أنزل من السماء ماء " يعني : المطر " لكم منه شراب " وهو ما تشربونه ، " ومنه شجر " ذكر ابن الأنباري في معناه قولين :

أحدهما : ومنه سقي شجر ، وشرب شجر ، فخلف المضاف إليه المضاف ، كقوله : وأشربوا في قلوبهم العجل [البقرة :93] .

والثاني : أن المعنى : ومن جهة الماء شجر ، ومن سقيه شجر ، ومن ناحيته شجر ، فحذف الأول ، وخلفه الثاني ، قال زهير :


[لمن الديار بقنة الحجر] . . . .     أقوين من حجج ومن شهر



أي : من ممر حجج . قال ابن قتيبة : والمراد بهذه الشجر : المرعى . وقال الزجاج : كل ما نبت على الأرض فهو شجر، قال الشاعر يصف الخيل :


يعلفها اللحم إذا عز الشجر     والخيل في إطعامها اللحم ضرر



يعني : أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض . و " تسيمون " بمعنى : ترعون ، يقال : سامت الإبل فهي سائمة : إذا رعت ، وإنما أخذ ذلك من السومة ، وهي : العلامة ، وتأويلها : أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات .

قوله تعالى : " ينبت لكم به الزرع " وروى أبو بكر عن عاصم : " ننبت " بالنون . قال ابن عباس : يريد الحبوب ، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى : " والنجوم مسخرات بأمره " قال الأخفش : المعنى : وجعل النجوم مسخرات ، [ ص: 434 ] فجاز إضمار فعل غير الأول ، لأن هذا المضمر في المعنى مثل المظهر ، وقد تفعل العرب أشد من هذا ، قال الراجز :


تسمع في أجوافهن صردا     وفي اليدين جسأة وبددا



المعنى : وترى في اليدين . والجسأة : اليبس . والبدد : السعة . وقال غيره : قوله تعالى : " مسخرات " حال مؤكدة ، لأن تسخيرها قد عرف بقوله تعالى : " وسخر " . وقرأ ابن عامر : والشمس والقمر والنجوم مسخرات ، رفعا كله ، وروى حفص عن عاصم : بالنصب كالجمهور ، إلا قوله تعالى : " والنجوم مسخرات " فإنه رفعها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث