الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه : منها : أنهم يقولون : فعل العبد - حسنة كان أو سيئة - هو منه لا من الله .

بل الله قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات . لكن هذا عندهم : أحدث إرادة فعل بها الحسنات . وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات . وليس واحد منهما من إحداث الرب عندهم . والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات . وهم لا يفرقون في الأعمال بين الحسنات والسيئات إلا من جهة الأمر . لا من جهة كون الله خلق فيه الحسنات دون السيئات .

بل هو عندهم لم يخلق لا هذا ولا هذا . لكن منهم من يقول : بأنه يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة : ما يكون جزاء . كما يقوله أهل السنة . [ ص: 247 ] لكن على هذا : فليست عندهم كل الحسنات من الله . ولا كل السيئات . بل بعض هذا وبعض هذا . الثاني : أنه قال { كل من عند الله } فجعل الحسنات من عند الله كما جعل السيئات من عند الله .

وهم لا يقولون بذلك في الأعمال . بل في الجزاء . وقوله - بعد هذا - { ما أصابك من حسنة } و { من سيئة } مثل قوله { وإن تصبهم حسنة } وقوله { وإن تصبهم سيئة }

. الثالث : أن الآية أريد بها : النعم والمصائب . كما تقدم . وليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفي أعمالهم التي استحقوا بها العقاب . فإن قوله { كل من عند الله } هو النعم والمصائب .

ولأن قوله { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } حجة عليهم . وبيان أن الإنسان هو فاعل السيئات . وأنه يستحق عليها العقاب . والله ينعم عليه بالحسنات - عملها وجزائها - فإنه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من الله : فالنعم من الله . سواء كانت ابتداء أو كانت جزاء .

وإذا كانت جزاء - وهي من الله - : فالعمل الصالح الذي كان سببها : هو أيضا من الله . أنعم بهما الله على العبد . وإلا فلو كان هو من نفسه - كما كانت السيئات من نفسه - لكان كل ذلك من نفسه . والله تعالى قد فرق بين النوعين في الكتاب والسنة . كما في الحديث الصحيح الإلهي : { عن الله يا عبادي إنما هي أعمالكم [ ص: 248 ] أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها .

فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
} وقال تعالى { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } وقال تعالى { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } وقال تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } وقال تعالى { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } وقال تعالى { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } وقال تعالى { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } وقال تعالى للمؤمنين { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } وقد أمروا أن يقولوا في الصلاة { اهدنا الصراط المستقيم } { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين }

. فصل وقد ظن طائفة : أن في الآية إشكالا أو تناقضا في الظاهر حيث قال { كل من عند الله } ثم فرق بين الحسنات والسيئات . فقال { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } . [ ص: 249 ] وهذا من قلة فهمهم وعدم تدبرهم الآية . وليس في الآية تناقض . لا في ظاهرها ولا في باطنها . لا في لفظها ولا معناها . فإنه ذكر عن المنافقين والذين في قلوبهم مرض الناكصين عن الجهاد . ما ذكره بقوله { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } هذا يقولونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي بسبب ما أمرتنا به من دينك والرجوع عما كنا عليه : أصابتنا هذه السيئات . لأنك أمرتنا بما أوجبها .

فالسيئات : هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب : هو أمرهم بها . وقولهم " من عندك " تتناول مصائب الجهاد التي توجب الهزيمة لأنه أمرهم بالجهاد . وتتناول أيضا مصائب الرزق على جهة التشاؤم والتطير . أي هذا عقوبة لنا بسبب دينك . كما كان قوم فرعون يتطيرون بموسى وبمن معه . وكما قال أهل القرية للمرسلين { إنا تطيرنا بكم } وكما قال الكفار من ثمود لصالح ولقومه : { اطيرنا بك وبمن معك } فكانوا يقولون عما يصيبهم - من الحرب والزلزال والجراح والقتل وغير ذلك مما يحصل من العدو - : هو منك . لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك . ويقولون عن هذا وعن المصائب السمائية : إنها منك . أي بسبب طاعتنا لك واتباعنا لدينك : أصابتنا هذه [ ص: 250 ] المصائب كما قال تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة }

. فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول وفعل ما بعث به : مسببا لشر أصابه : إما من السماء . وإما من آدمي . وهؤلاء كثيرون . لم يقولوا " هذه من عندك " بمعنى : أنك أنت الذي أحدثتها . فإنهم يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث شيئا من ذلك ولم يكن قولهم " من عندك " خطابا من بعضهم لبعض .

بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم . ومن فهم هذا تبين له أن قوله { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } لا يناقض قوله { كل من عند الله } بل هو محقق له . لأنهم - هم ومن أشبههم إلى يوم القيامة - يجعلون ما جاء به الرسول والعمل به : سببا لما قد يصيبهم من مصائب . وكذلك من أطاعه إلى يوم القيامة . وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به ويقولون : ليس هذا مما أمر الله به . ولو كان مما أمر الله به : لما جرى على أهله هذا البلاء . [ ص: 251 ] وتارة لا يقدحون في الأصل . لكن يقدحون في القضية المعينة . فيقولون : هذا بسوء تدبير الرسول . كما قال عبد الله بن أبي ابن سلول يوم أحد - إذ كان رأيه مع رأي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجوا من المدينة - فسأله صلى الله عليه وسلم ناس ممن كان لهم رغبة في الجهاد : أن يخرج . فوافقهم ودخل بيته ولبس لامته .

فلما لبس لأمته ندموا . وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنت أعلم . فإن شئت أن لا نخرج فلا نخرج . فقال : { ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه } يعني : أن الجهاد يلزم بالشروع كما يلزم الحج .

لا يجوز ترك ما شرع فيه منه إلا عند العجز بالإحصار في الحج .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث