الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل العمل في أيام التشريق

926 [ ص: 110 ] 11 - باب: فضل العمل في أيام التشريق

وقال ابن عباس: واذكروا الله في أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق. وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. وكبر محمد بن علي خلف النافلة.

969 - حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه". قالوا: ولا الجهاد قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء". [فتح: 2 \ 457]

التالي السابق


وقال ابن عباس: واذكروا الله في أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق.

كذا في كثير من نسخ البخاري: ( معلومات ).

والتلاوة: معدودات .

وقد رواه عبد بن حميد في "تفسيره" عن قبيصة عن سفيان عن ابن جريج عن عروة بن دينار قال: سمعت ابن عباس يقول: واذكروا الله في أيام معدودات الله أكبر. اذكروا الله في أيام معدودات، الله أكبر. ثم ذكر تفسيرها كما سلف.

ثم قال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما.

قلت: أخرجه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، أخبرني عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى يوم العيد ثم يكبر بالمصلى، حتى إذا جلس [ ص: 111 ] الإمام ترك التكبير. وزاد في "المصنف": ويرفع صوته حتى يبلغ الإمام.

قال البيهقي: ورواه عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رفع الصوت بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.

وروي في ذلك عن علي وغيره من الصحابة.

ثم قال البخاري: وكبر محمد بن علي خلف النافلة. محمد هذا هو أبو جعفر. قال البيهقي: وكان أبو جعفر محمد بن علي يكبر بمنى أيام التشريق خلف النوافل. قال ابن التين: ولم يتابعه عليه أحد.

ثم ساق البخاري حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه".. الحديث.

وهو من أفراده، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله ابن عمرو وجابر.

وسليمان المذكور في إسناده هو الأعمش، وما ذكره من تفسير ابن عباس: ( المعلومات ) ( والمعدودات )، وهي ثلاثة بعد النحر، هو قول [ ص: 112 ] النخعي والشافعي وعطاء ومجاهد وإبراهيم والضحاك، وهو قول أهل الكوفة.

قال النحاس: لا أعلم فيه اختلافا. وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة. وروي عن علي وابن عمر أن المعلومات هي ثلاثة أيام: النحر ويومان بعده، والمعدودات أيام التشريق، وهذا قول صاحبيه، وبه قال مالك، سميت معدودات لقلتهن، ومعلومات لحرص الناس على علمها لأجل فعل المناسك في الحج، ولأنها معلومة للذبح فيتوخى المساكين القصد فيها فيعطون.

قال الطحاوي: وإليه أذهب للآية، وهي أيام النحر، وعامة العلماء في المعدودات يقول بقول ابن عباس. وقيل: سميت معدودات ; لأنه إذا زيد عليها في البقاء كان حصرا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث" وقيل: معناه محصنات أمروا بالتكبير فيها أدبار الصلوات وعند رمي الجمار. قال أبو عبيد: سميت أيام التشريق ; لأن التشريق صلاة العيد ; لأن وقتها من حين الشروق، ومنه حديث: "من ذبح قبل التشريق أعاد" فسميت الأيام كلها أيام التشريق ; وقيل: لأن لحوم الأضاحي تشرق للشمس فيها. وقيل: تفرد. وقيل: لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير. وأنكر مالك أن يقال: أيام التشريق، وقال: يقول الله: في أيام معدودات و معلومات .

[ ص: 113 ] والعمل في أيام التشريق هو التكبير المسنون، وهو أفضل من صلاة النافلة كما قال المهلب ; لأنه لو كان هذا الكلام خطأ على الصلاة والصيام في هذه الأيام يعارض قول: "أيام أكل وشرب".

وقد نهي عن صيام هذه الأيام، وهو دال على تفريغها للأكل والشرب واللذة، فلم يبق تعارض إذا عني بالعمل التكبير، وهو الذي ذكره على تأويل قوله: "أفضل منها في هذه الأيام" أن المراد بهذا الضمير أيام التشريق. والمراد أيام العشر. كما ورد مصرحا به في الترمذي من حديث ابن عباس أيضا: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد ؟ الحديث. ورواه أبو داود وابن ماجه أيضا، وفي روايتهما: يعني: العشر. أوردوه في الصيام، فعلى هذا لا مناسبة في الحديث للترجمة والمبوب عليه قول ابن عباس، نعم يوم العيد معلوم كما ذكره ابن عباس.

قوله: ( "ولا الجهاد" ) أي: ليس مطلق الجهاد كله بموجب، بل الموجب ما ذكر من المخاطرة بالنفس والمال ففضله لا يحاط به.

قال الداودي: ولم يرد هنا أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون فيها يوم جمعة، وفيه نظر ; لأنه إذا كان فيها زاد الفضل.

ومعنى: "يخاطر بنفسه": يكافح العدو بنفسه وسلاحه وجواده فيسلم من القتل أو لا يسلم منه، فهذه المخاطرة، وهذا العمل أفضل منه في هذه الأيام وغيرها مع أن هذا العمل لا يمتنع صاحبه من إتيان التكبير والإعلان به.

[ ص: 114 ] وقوله: ( "فلم يرجع بشيء" ) يحتمل أن لا يرجع بشيء من ماله ويرجع هو، ويحتمل أن لا يرجع هو ولا ماله فيرزقه الله الشهادة، وقد وعد عليها الجنة.

وأما خروج ابن عمر وأبي هريرة إلى السوق وتكبير الناس بتكبيرهما، فقد قالت طائفة به.

قال أبو جعفر الحنفي: كان مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في أيام العشر، والفقهاء لا يرون ذلك كما نقله عنهم ابن بطال، وإنما التكبير عندهم من وقت رمي الجمار ; لأن الناس فيه تبع لأهل منى، والمختار عندنا أنه يكبر من صبح منى ويختم بعصر آخر ( أيام ) التشريق، خلف كل صلاة مفعولة في هذه الأيام قضاء، وأداء، فرض عين، أو كفاية، أو سنة، ويستحب عندنا التكبير في الأيام المعلومات إذا رأى شيئا من بهيمة الأنعام.

وفي فعل ابن عمر وأبي هريرة هذا خروج العلماء إلى السوق يذكرون الناس في الأوقات التي يصلح الذكر فيها، وأما تكبير أبي جعفر خلف النافلة فهو قول الشافعي.

قال البيهقي: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" وسائر الفقهاء كما قال ابن بطال: لا يرون [ ص: 115 ] التكبير إلا خلف الفريضة.

وقال ابن التين: لم يتابعه أحد عليه ; لأن في تخصيص الخمس بذلك تعظيما لها. قال: ولأنه ذكر واجب فوجب أن يختص بالواجب، وهو المشهور من مذهب مالك. أعني: تخصيصه بالفرائض.

قال ابن المنذر: التكبير في المكتوبة في الجماعة مذهب ابن مسعود، وكان ابن عمر إذا صلى وحده لا يكبر، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو المشهور عن أحمد. وقال صاحباه ومالك والشافعي والأوزاعي: يكبر المنفرد. والصحيح من مذهب أبي حنيفة أن التكبير واجب. وفي "فتاوى قاضي خان" و"التجريد" أنه سنة.

قال أبو محمد بن حزم: التكبير دبر كل صلاة وفي الأضحى وأيام التشريق ويوم عرفة حسن كله ; لأن التكبير فعل خير، وليس ها هنا أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتخصيص الأيام المذكورة دون غيرها، روينا عن الزهري وأبي وائل وأبي يوسف استحباب التكبير غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق عند العصر، وكان ابن مسعود يكبر في صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر، وعن ابن عمر: من يوم النحر إلى صلاة الصبح آخر أيام التشريق.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث