الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


178 [ ص: 315 ] حديث خامس وثلاثون ليحيى بن سعيد

يحيى عن محمد بن إبراهيم أربعة أحاديث

مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي حازم التمار ، عن البياضي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على الناس وهم يصلون ، وقد علت أصواتهم بالقراءة ، فقال : إن المصلي يناجي ربه ، فلينظر بما يناجيه به ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن .

التالي السابق


محمد بن إبراهيم بن الحارث هذا هو أحد ثقات أهل المدينة ومحدثيهم ، معدود في التابعين ، روي عنه أنه قال : رأيت سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر يأخذان برمانة المنبر ، ثم ينصرفان .

ويكنى أبا عبد الله ، وهو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة .

قال الواقدي : كان جده الحارث بن خالد من المهاجرين الأولين ، وتوفي محمد بن إبراهيم سنة عشرين ومائة في خلافة هشام .

[ ص: 316 ] وأبو حازم التمار يقال : اسمه دينار مولى الأنصار ، ويقال مولى أبي رهم الأنصاري .

وذكر حبيب ، عن مالك أن اسم أبي حازم التمار : يسار مولى قيس بن سعد بن عبادة .

وأما البياضي ، فيقولون : اسمه فروة بن عمر بن وذفة بن عبيد بن عامر بن بياضة ، فخذ من الخزرج .

وهذا الحديث معناه في صلاة النافلة إذا كان كل أحد يصلي لنفسه ، وأما صلاة الفريضة فقد أحكمت السنة سرها وجهرها ، وأنها خلف إمام الجماعة أبدا هذه سنتها ، وكان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجمعهم لها إلا على ما قد مضى في باب ابن شهاب ، عن عروة : من أنه صلى بهم ليلة ، وثانية ، وثالثة ، ثم امتنع من الخروج إليهم خشية أن تفرض عليهم .

وقد روى هذا الحديث حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، فقال فيه : إن ذلك في رمضان .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان - قراءة مني عليه - أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا [ ص: 317 ] حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم مولى الأنصار : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معتكفا في رمضان في قبة على بابها حصير ، قال : وكان الناس يصلون عصبا ، عصبا قال : فلما كان ذات ليلة رفع باب القبة ، فأطلع رأسه ، فلما رآه الناس أنصتوا ، فقال : إن المصلي يناجي ربه ، فلينظر أحدكم ما يناجي به ربه ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن .

هكذا قال حماد بن زيد في هذا الباب ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد ، عن أبي حازم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا - لم يذكر البياضي ; كذلك رواه كل من رواه ، عن حماد بن زيد .

وقد روى هذا الحديث يزيد بن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم ، عن البياضي ، وعن محمد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، عن البياضي : حدثناه خلف بن القاسم قال : حدثنا الحسن بن الحجاج الطبراني حدثنا الحسين بن محمد المدني ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، حدثنا ابن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من بني بياضة من الأنصار أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو مجاور في المسجد يوما : فوعظ الناس ، وحذرهم ، ورغبهم ، ثم قال : ليس مصل يصلي إلا وهو يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن .

[ ص: 318 ] قال الليث : وحدثنا ابن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم مولى الغفاريين أنه حدثهم هذا الحديث البياضي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، وعبيد بن عبد الواحد ، قالا : حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب ، وابن لهيعة قالا : حدثنا ابن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من بني بياضة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره سواء إلى آخره .

وقد روى هذا الحديث أبو سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا الحسن بن علي ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ، قال : اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، فسمعهم يجهرون بالقراءة ، فكشف الستر ، وقال : ألا إن كلكم مناج ربه ، فلا يؤذين بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة ولم يذكر أبو داود حديث البياضي ، وذكر حديث أبي سعيد هذا .

وقد روى خالد الطحان ، عن مطرف ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع الرجل صوته بالقرآن [ ص: 319 ] قبل العشاء ، وبعدها يغلط أصحابه وهم يصلون وهذا تفرد به خالد الطحان ، وهو ضعيف ، وإسناده كله ليس مما يحتج به .

وحديث البياضي ، وحديث أبي سعيد ثابتان صحيحان - والله أعلم - والحمد لله ، وليس فيهما معنى يشكل يحتاج إلى القول فيه إن شاء الله .

وإذا لم يجز للتالي المصلي رفع صوته لئلا يغلط ويخلط على مصل إلى جنبه ، فالحديث في المسجد مما يخلط على المصلي أولى بذلك وألزم وأمنع وأحرم - والله أعلم - وإذا نهي المسلم عن أذى أخيه المسلم في عمل البر ، وتلاوة الكتاب ، فأذاه في غير ذلك أشد تحريما ، وقد نظر عبد الله بن عمرو إلى الكعبة ، فقال : والله إن لك لحرمة ، ولكن المومن عند الله أعظم حرمة منك ، حرم منه عرضه ، ودمه ، وماله ، وأن لا يظن به إلا خير .

وحسبك بالنهي عن أذى المسلم في المعنى الوارد في هذا الحديث ، فكيف بما هو أشد من ذلك ، والله المستعان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث