الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من باع ذهبا وغيره بذهب

جزء التالي صفحة
السابق

باب من باع ذهبا وغيره بذهب 2250 - ( عن فضالة بن عبيد قال : { اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا يباع حتى يفصل } . رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ، وفي لفظ { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة دنانير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حتى تميز بينه وبينه ، فقال : إنما أردت الحجارة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حتى تميز بينهما ، قال فرده حتى ميز بينهما . } رواه أبو داود ) .

التالي السابق


الحديث قال في التلخيص له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا في بعضها " قلادة فيها خرز وذهب " وفي بعضها ذهب وجوهر ، وفي بعضها خرز وذهب وفي بعضها خرز معلقة بذهب وفي بعضها باثني عشر دينارا ، وفي بعضها بتسعة دنانير ، وفي أخرى بسبعة دنانير . وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة . قال الحافظ : والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم فيكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة انتهى .

وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود . قوله : ( ففصلتها ) بتشديد الصاد الحديث استدل به على أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ذلك الغير ويميز عنه ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره ومثله الفضة مع غيرها بفضة وكذلك سائر الأجناس الربوية لاتحادها في العلة وهي تحريم بيع الجنس بجنسه متفاضلا .

ومما يرشد إلى استواء الأجناس الربوية في هذا ما تقدم من النهي [ ص: 234 ] عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر ، وكذلك نهيه عن بيع التمر بالرطب خرصا لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق . وكذلك في مثل مسألة القلادة يتعذر الوقوف على التساوي من دون فصل ، ولا يكفي مجرد الفصل بل لا بد من معرفة مقدار المفصول والمقابل له من جنسه وإلى العمل بظاهر الحديث ذهب عمر بن الخطاب وجماعة من السلف والشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحكم المالكي وقالت الحنفية والثوري والحسن بن صالح والعترة : إنه يجوز إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة ونحوها لا مثله ولا دونه

وقال مالك : يجوز إذا كان الذهب تابعا لغيره بأن يكون الثلث فما دون ، وقال حماد بن أبي سليمان : إنه يجوز بيع الذهب مع غيره بالذهب مطلقا سواء كان المنفصل مثل المتصل أو أقل أو أكثر ، واعتذرت الحنفية ومن قال بقولهم عن الحديث بأن الذهب كان أكثر من المنفصل ، واستدلوا بقوله : ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ، والثمن إما سبعة أو تسعة وأكثر ما روي عنه أنه اثنا عشر وأجيب عن ذلك بما تقدم عن البيهقي من أن القصة التي شهدها فضالة كانت متعددة فلا يصح التمسك بما وقع في بعضها وإهدار البعض الآخر وأجيب أيضا بأن العلة هي عدم الفصل وظاهر ذلك عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر والغنيمة وغيرها وبهذا يجاب عن الخطابي حيث قال : إن سبب النهي كون تلك القلادة كانت من الغنائم مخافة أن يقع المسلمون في بيعها .

وقد أجاب الطحاوي عن الحديث بأنه مضطرب . قال السبكي : وليس ذلك باضطراب قادح ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك انتهى . وقد عرفت مما تقدم أنه لا اضطراب في محل الحجة ، والاضطراب في غيره لا يقدح فيه . وبهذا يجاب أيضا على ما قاله مالك . وأما ما ذهب إليه حماد بن أبي سليمان فمردود بالحديث على جميع التقادير ولعله يعتذر عنه بمثل ما قال الخطابي أو لم يبلغه . قوله : ( حتى تميز ) بضم تاء المخاطب في أوله وتشديد الياء المكسورة بعد الميم . قوله : ( إنما أردت الحجارة ) يعني : الخرز الذي في القلادة ولم أرد الذهب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث