الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 165 ] كتاب الآداب النبوية والأخلاق المحمدية

بيان تأديب الله تعالى صفيه محمدا صلوات الله عليه بالقرآن :

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير الضراعة والابتهال ، دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق ، فكان يقول في دعائه : " اللهم حسن خلقي وخلقي " ويقول : " اللهم جنبني منكرات الأخلاق " فاستجاب الله تعالى دعاءه وفاء بقوله عز وجل : ( ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] فأنزل عليه القرآن وأدبه فكان خلقه القرآن ، وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) [ الأعراف : 199 ] وقوله : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) [ النحل : 90 ] وقوله : ( واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ) [ لقمان : 17 ] وقوله : ( فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ) [ المائدة : 13 ] وقوله : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) [ فصلت : 34 ] وقوله : ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ) [ آل عمران : 134 ] وقوله : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ) [ الحجرات : 12 ] وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تحصر .

وهو عليه الصلاة والسلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ثم منه يشرق النور على كافة الخلق ، فإنه أدب بالقرآن وأدب الخلق به . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق . ثم لما أكمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [ القلم : 4 ] ثم بين صلوات الله عليه للخلق أن الله يحب مكارم الأخلاق ويبغض سفسافها . قال علي رضي الله عنه : " يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا ، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد كان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق ، فإنها مما تدل على سبيل النجاة " وفي الحديث : " إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال " ومن ذلك : حسن المعاشرة ، وكرم الصنيعة ، ولين الجانب ، وبذل المعروف ، وإطعام الطعام ، وإفشاء السلام ، وعيادة المريض [ ص: 166 ] المسلم ، وتشييع الجنازة ، وحسن الجوار لمن جاورت مسلما كان أو كافرا ، وتوقير ذي الشيبة المسلم ، وإجابة الطعام والدعاء عليه ، والعفو ، والإصلاح بين الناس ، والجود والكرم والسماحة ، وكظم الغيظ ، واجتناب المحارم والغيبة والكذب والبخل والشح والجفاء والمكر والخديعة والنميمة وسوء ذات البين وقطيعة الأرحام وسوء الخلق والتكبر والفخر والاختيال والاستطالة والبذخ والفحش والتفحش والحقد والحسد والطيرة والبغي والعدوان والظلم . قال " أنس " رضي الله عنه : " فلم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها وأمرنا بها ، ولم يدع غشا أو عيبا إلا حذرناه ونهانا عنه " ، ويكفي من ذلك كله هذه الآية : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) [ النحل : 90 ] وقال " معاذ " أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا معاذ أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، ولين الكلام ، وبذل السلام ، وحسن العمل ، وقصر الأمل ، ولزوم الإيمان ، والتفقه في القرآن ، وحب الآخرة ، والجزع من الحساب ، وخفض الجناح . وأنهاك أن تسب حكيما ، أو تكذب صادقا ، أو تطيع آثما ، أو تعصي إماما عادلا ، أو تفسد أرضا . وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر ، وأن تحدث لكل ذنب توبة ، السر بالسر ، والعلانية بالعلانية " . فهكذا أدب عباد الله ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث