الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غزوة الخندق

غزوة الخندق (الأحزاب)

وقعت غزوة الخندق أو الأحزاب في شوال سنة خمس من الهجرة وقيل غير ذلك، وكان سببها أن نفرا من يهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري في جماعة خرجوا يحزبون الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجوا إلى قريش وغطفان يألبونهم على قتال الرسول صلى الله عليه وسلم.

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر أشار عليه سلمان رضي الله عنه بضرب الخندق على المدينة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الخندق وعمل فيه بنفسه صلى الله عليه وسلم وعمل فيه أصحابه رضي الله عنهم، وتخاذل المنافقون، وقد ظهر في حفره من الآيات الباهرات ما كان يشد به عزم المؤمنين، منها ظهور كدية اعترضت الصحابة فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فضربها بمعول فعادت كثيبا رغم شدة ما به من جوع حتى إنه قد ربط بطنه الشريف صلى الله عليه وسلم من شدته.

وقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم حين ضرب الكدية بمعوله البشرى من الله تعالى بفتح اليمن وفارس والروم.

ولما رأى جابر ما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع والنصب والتعب رجع إلى أهله فأخبرهم بما رآه وكيف أنه لا يطيق صبرا أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألها إن كان عندهما ما يطعمون به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بأن ما عندهم يكفي لرجلين أو ثلاث، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بشأن الطعام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قل لها -زوجتك- لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي"، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ممن يعملون في الخندق، ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا، وبقي بقية، قال: " كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة ".

وما أن انتهى حفر الخندق حتى جاء المشركون وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، بين الجرف وزغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

بنو قريظة ونقض عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولما نزل الأحزاب حول المدينة أغلقت بنو قريظة حصنهم دونهم، وكان كبيرهم كعب بن أسد القرظي وهو صاحب عقدهم وعهدهم، وكانوا قد عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم على النصرة، فجاءه حيي بن أخطب فما زال يكلمه ويمنيه ويوعده حتى نقض عهده مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولما نما الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وابن رواحة وخوات ابن جبير للتأكد مما بلغه صلى الله عليه وسلم فلما تأكد الخبر اشتد البلاء وزادت المحنة وخشي الناس إلا أنه في خضم ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبشروا بفتح الله ونصره".

وزاد البلاء حتى ضاق الأمر جدا فقال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وقال أوس بن قيظي: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا; فإنها خارج المدينة.

فنزل قوله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا [الأحزاب: 12 ، 13].

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة مرابطين وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل.

وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم تخفيفا على أهل المدينة في ظل هذا الحصار أن يصالح عيينة والحارث من غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يعودا بمن معهما، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأشارا عليه صلى الله عليه وسلم بعدما علما بأنه أمر يصنعه لهم وليس وحيا من الله تعالى بالرفض، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.

وقد حاول بعض فرسان المشركين مجاوزة الحصن إلا أن جميع محاولاتهم باءت بالفشل، وقد قتل عمرو بن عبد ود في إحداها قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه

ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع أكحله، فقال سعد: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة".

وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة، فأقر الله عينه; فحكم فيهم بقدرة الله وتيسيره، وجعل بني قريظة هم الذين يطلبون حكم سعد، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" وذلك لأنهم نقضوا العهد وخانوا ودلوا على عورة المسلمين.

وفي هذه الغزوة شغل المسلمون عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس فصلوها بعد أن غربت الشمس ثم صلوا المغرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا; كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس "

وبينما المسلمون كذلك في البلاء إذ جاء نعيم بن مسعود الغطفاني مسلما ولم يكن قد علم المشركون بإسلامه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم مرني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة"

فقام نعيم فخذل عن النبي صلى الله عليه وسلم وفتح الله به على المسلمين فأوقع الشقاق بين بني قريظة من جهة والمشركين من قريش وغطفان من جهة أخرى.

وأرسل الله الريح في ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليلا لينظر ما فعل القوم، فدخل معسكرهم وعلم أن اليأس قد تملكهم وأنهم راجعون إلى ديارهم، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، عندئذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن نغزوهم ولا يغزونا"

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث