الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "نصرت بالصبا"

988 [ ص: 280 ] 26 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نصرت بالصبا"

1035 - حدثنا مسلم قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". [3205، 3343، 4105 - مسلم: 900 - فتح: 2 \ 520]

التالي السابق


ذكر فيه حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".

هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا، وأخرجه البخاري في بدء الخلق، وأحاديث الأنبياء، وغزوة الخندق من المغازي، وبوب عليه البيهقي باب أي الريح يكون منها المطر.

و ( الصبا ) بفتح الصاد المهملة، مقصورة: الريح الشرقية تأتي لينة، وهي القبول أيضا.

قال الشافعي: أخبرنا من لا أتهم، ثنا عبد الله بن عبيد الله، عن محمد بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نصرت بالصبا، وكانت عذابا على من كان قبلنا".

قلت: والصبا إحدى الرياح الأربع: الصبا ; والدبور مقابلها، والشمال ; والجنوب مقابلها. قال الجوهري: مهب الصبا المستوى أن [ ص: 281 ] تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار.

والشمال الريح التي تهب من ناحية القطب يعني: الجدي ; لأنها تأتي من جهة الشمال، والجمع شمالات بالفتح، وشمائل على غير قياس. والوارد في أشعار العرب وأقوالهم أن الجنوب تجمع السحاب، والشمال تقصره ; فتأتي بالمطر. والصبا تسلي عن المكروب. فهذه الثلاثة تأتي بخير وهي المنشآت. وعبارة ابن التين: الرياح ثمانية: قبول: وهي التي تأتي من مطلع الشمس، ودبور: وهي التي تأتي من دبر تلك القبلة، والصبا: عن يمين مستقبلة القبلة وهي الجنوب ; لأنها من جانب الأيمن. وعند أهل اللغة أن الصبا هي القبول. والشمال عن شمال مستقبل تلك القبلة ; لأنها عن شماله. وبين كل ريحين من هذه ريح تسمى النكباء.

و ( نصره بالصبا ) يريد ما أنعم الله به في غزوة الخندق على المسلمين، وكان - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في شدة وضيق، وتجمعت المشركون لقتاله. فبعث الله على المشركين ريحا باردة في ليال شاتية شديدة البرد، وكانت ريح الصبا فأطفئت النيران، وقطعت الأطناب، وألقت المضارب والأخبية، وألقى الله عليهم الرعب، فانهزموا في غير قتال ليلا.

وجاء في التفسير أن ريح الصبا هي التي حملت ريح يوسف قبل البشير إلى يعقوب فإليها يستريح كل محزون.

[ ص: 282 ] وقال الداودي: إذا أراد نصر قوم أتت الرياح من جهتهم فسدت عيون مقاتليهم، فأوهنتهم، ومنه قوله تعالى: فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [الأحزاب: 9] والريح القبول: هي التي تأتي من مطلع الشمس، وقيل لها قبول ; لأنها كانت القبلة قبل الإسلام.

وقال القزاز: سميت الصبا قبولا ; لأنها تقابل باب الكعبة. يقال: صبت الريح تصبو صبا إذا هبت بالقبول.

وغلط ابن التين الداودي. وأما الدبور فهي بفتح الدال: الغربية وهي الريح العقيم ; لأنها لا تلقح الشجر، وتهدم البنيان، وتقلع الأشجار، وهي مذمومة في القرآن العظيم، وهي التي تقابل الصبا، سميت بذلك ; لأنها تأتي من دبر الكعبة.

وفي الحديث تفضيل المخلوقات بعضها على بعض، وإخبار المرء عن نفسه بما خصه الله به، والإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها على وجه التحدث بالنعم والاعتراف بها والشكر له لا على وجه الفخر في حقنا.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث