الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان

جزء التالي صفحة
السابق

( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور )

[ ص: 205 ] بعد ما بين عز وجل اختلاف الناس في الصلاح والفساد والإصلاح والإفساد أراد أن يهدينا إلى ما يجمع البشر كافة على الصلاح والسلام ، والوفاق الذي قرره الإسلام ، وهو ما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر ، وجعل هذه الهداية بصيغة الأمر ، وشرف أهل الإيمان به فقال : ( ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) إلخ . السلم المسالمة والانقياد والتسليم ، فيطلق على الصلح والسلام ، وعلى دين الإسلام . قرأ ابن كثير ونافع والكسائي ( السلم ) بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان . وقد فسره بعض المفسرين بالصلح ، وبعضهم بالإسلام وعليه ( الجلال ) ، وقال في تفسير ( كافة ) حال من السلم; أي : في جميع شرائعه . وأقول : إن أساسها الاستسلام لأمر الله والإخلاص له ، ومن أصولها الوفاق والمسالمة بين الناس وترك الحروب والقتال بين المهتدين به . واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام ، والأمر بالدخول فيه يشعر بأنه حصن منيع للداخلين في كنفه ، وهو للكاملين منهم أمر بالثبات والدوام كقوله تعالى : ( يا أيها النبي اتق الله ) ( 33 : 1 ) ولمن دونهم أمر بالتمكن منه وتحري الكمال فيه ، وعلى القول بأن الخطاب فيه لأهل الكتاب أو كل من يؤمن بالله فالدخول على حقيقته . يقول لهم : إذا لم تدخلوا في دين الإسلام الذي أكمله لخلقه كافة ببعثة خاتم النبيين، فلا ينفعكم إيمانكم به مع بقائكم على تعاديكم وتفرقكم ، ودين الله جامع لا تفرق فيه . وهاك ما كتبته بعد حضور درس تفسير شيخنا للآية :

هذه كلمة عظيمة ، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة ، ذلك أنها تفيد وجوب أخذ الإسلام بجملته ، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ، ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به ، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر ، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن ، وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل ، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل ، ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه - الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم ، وإن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه - لولوا منك فرارا ، وأعرضوا عنك استكبارا ، وقالوا : مكر مكرا كبارا ، إذ دعا إلى ترك المذاهب ، وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد .

ومن آيات العبرة في هذا المقام أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة ، ووصلت إلى الحقيقة بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق ، والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع فشو الجهل ، وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون ، وبجاهها يعيشون ويكرمون ، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة ، وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة; لأن هذا أعون لهم على الاستبداد ، وأشد تمكينا لهم [ ص: 206 ] مما يهوون من الفساد والإفساد; إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا ملزم للحاكم باتباعهم فيه; لأن الخواص إذا اتحدوا تبعهم العوام ، وهذه هي الوسيلة الفردة لإبطال استبداد الحكام ، وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين ، والإنكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض; أي : يعملون ببعضه على أنه دين ويتركون بعضا بتأويل أو غير تأويل ، كشأن من لم يصدق بأنه من الله . فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته ، وفهم هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء به أمر مقرر في ذاته ، سواء فسرت به الآية أو لا; لأن الآيتين اللتين أشرنا إليهما آنفا في جعل القرآن عضين ، وفي الإيمان ببعضه والكفر ببعض، وما في معناهما من النصوص تثبته .

وذهب بعض المفسرين إلى أن ( كافة ) ترجع إلى الذين آمنوا; أي : ادخلوا في الإسلام جميعا لا يتخلف منكم أحد ، وصاحب هذا القول يصرف نداء ( الذين آمنوا ) إلى أهل الكتاب - أي آمنوا بالأنبياء السابقين والوحي - حتى لا يرد عليه أن الإيمان يستلزم الدخول في الإسلام ، فيكون أمر المؤمن بالإسلام من تحصيل الحاصل ، ووجه اللزوم أن الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس ، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه لا محالة .

وأما قول الجماهير : إن العلم لا يوجب العمل فهو على إطلاقه خطأ; فالعلم التصديقي الإذعاني المتعلق بالمنافع والمضار يوجب العمل به ما لم يعارضه في موضوعه علم أقوى منه ، وأما العلم التصوري والعلم النظري المعارض بعلم ضروري أو نظري أقوى منه فلا يوجبان العمل .

وقد صرح حجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات بأن العلم الصحيح يستلزم العمل ، والحق التفصيل الذي أشرنا إليه آنفا ، وآيات الكتاب العزيز دالة عليه ومعززة له ، ويدل لمن قال : إن الآية نزلت في أهل الكتاب ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال : قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين وأسد وأسيد ابنا كعب وسعيد بن عمر وقيس بن زيد - كلهم من يهود - : يا رسول الله يوم السبت نعظمه فدعنا فلنسبت فيه ، وإن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها بالليل ، فنزلت . فالخطاب على هذا لليهود خاصة لا لأهل الكتاب عامة ، ولكن الرواية غير صحيحة وهي تنم على نفسها فهي موضوعة للآية ، وهناك رواية أخرى بمعناها .

والوجه الثاني في تفسير السلم ، وهو المسالمة والوفاق يتوقف على الوجه الأول - أخذ الدين بجملته - لأنه أمر برفع الشقاق والتنازع، وبالاعتصام بحبل الوحدة ، وشد أواخي الإخاء ، ولا يرتفع الشيء إلا برفع أسبابه ، ولا يستقر إلا بتحقق وسائله ، وهو بمعنى قوله عز وجل : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ( 3 : 103 ) الآية . وقوله تعالى : ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) ( 8 : 46 ) [ ص: 207 ] وقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض ) ) رواه الجماعة كلهم . وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا وشاق بعضنا بعضا بشبهة الدين ، إذ اتخذنا مذاهب متفرقة، كل فريق يتعصب لمذهب ويعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله ، زاعما أنه ينصر الدين وهو يخذله بتفريق كلمة المسلمين ، هذا سني يقاتل شيعيا ، وهذا شيعي ينازل إباضيا ، وهذا شافعي يغري التتار بالحنفية ، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية ، وهؤلاء مقلدة الخلف ، يحادون من اتبع طريقة السلف ( أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) ( 23 : 68 ) أم أمروا بهذا من الله ورسوله ومن الأئمة المجتهدين ؟ كلا; بل كان التعادي والتنازع انحرافا عن الصراط المستقيم ، واتباعا لخطوات الشيطان الرجيم ، فكما خالف المفرقون المتنازعون ربهم في ذلك الأمر خالفوا ما اتبعه به من هذا النهي ، إذ قال : ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) الخطوات جمع خطوة - بالضم وبالفتح - وهما ما بين قدمي من يخطو بنقلهما في المشي; أي : لا تسيروا سيره وتتبعوا سبله في التفرق في الدين ، أو الخلاف والتنازع مطلقا . وسبل الشيطان وخطواته هي كل أمر يخالف سبيل الحق والخير والمصلحة ، وهي ما عبر عنه بالسبل في قوله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ( 6 : 153 ) فذكر تعالى أن له سبيلا واحدة سماها صراطا مستقيما; لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام ، وأن هناك سبلا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان ، وقد علم من جعل التفرق تابعا لاتباع سبل هي غير صراط الله أن الذين يتبعون سبيل الله لا يتفرقون ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ( 6 : 159 ) نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف والتنازع ولكنهم متى شعروا بأن التنازع قد دب إليهم في أمر فزعوا إلى تحكيم الله ورسوله فيه برده إلى حكمهما كما أمرهم بقوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ( 4 : 59 ) أي : مآلا وعاقبة . فالآيات يفسر بعضها بعضا إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أمرنا .

وقال الأستاذ الإمام : هذه الآيات حجة لعلماء الأصول القائلين بأن الحق واحد لا يتعدد ، ويا ليت أصحاب هذا الأصل فرضوا على أنفسهم الاجتماع لكل خلاف يعرض لهم، والبحث عن وجه الحق فيه بلا تعصب ولا مراء ، حتى إذا ما ظهر أجمعوا عليه ، وإذا هو لم يظهر لبعضهم ثابر من لم يظهر له على تطلابه بإخلاص لا يعادي فيه أحدا ، ولا يجعله ذريعة لتفريق الكلمة .

طريق الحق هو الوحدة والإسلام ، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام ، وهي معروفة في كل الأمم ، ولكن الشيطان يزين طرقه ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق [ ص: 208 ] والخلاف ، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط الله ، فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقا ، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا ، وحرفوا من كلمه ما حرفوا ، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله حتى حل بهم الهلاك والدمار ، ومزقوا كل ممزق وكذلك فعل غيرهم ، كأنهم رأوا دينهم ناقصا فكملوه ، وقليلا فكثروه ، وواحدا فعددوه ، وسهلا فصعبوه ، فثقل عليهم بذلك فوضعوه ، فذهب الله بوحدتهم حتى لم تغن عنهم كثرتهم ، وسلط عليهم الأعداء ، وأنزل بهم البلاء ، ( سنة الله التي قد خلت في عباده ) ( 40 : 85 ) .

هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام . ومن خطواته طرق الفواحش والمنكرات كلها ، ولذلك قال تعالى في سورة النور : ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) ( 24 : 21 ) وأما كون الشيطان عدوا مبينا فذاك أن جميع ما يدعوا إليه ظاهر البطلان، بين الضرر لمن تأمل وعقل ، فمن لم يدرك ذلك في بدء الخطوات أدركه في غايتها عندما يذوق مرارة مغبتها ، ولا سيما بعد تذكير الله تعالى وهدايته عباده إلى ذلك ، فلا عذر لمن بلغته هذه الهداية إذا بقي على ضلالته واستحب العمى على الهدى; ولذلك قال عز شأنه :

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث