الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الواجب إفراد الله بالخشية والتقوى

[ ص: 349 ] وإذا علم العبد أن كلا من عند الله ، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية والتقوى . قال تعالى : فلا تخشوا الناس واخشون [ المائدة : 44 ] . وإياي فارهبون [ البقرة : 40 ] . وإياي فاتقون [ البقرة : 41 ] . ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [ النور : 52 ] . هو أهل التقوى وأهل المغفرة [ المدثر : 56 ] ، ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة . ولا بد لكل عبد أن يتقي أشياء ، فإنه لا يعيش وحده ، ولو كان ملكا مطاعا فلا بد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته . فحينئذ فلا بد لكل إنسان أن يتقي ، فإن لم يتق الله اتقى المخلوق ، والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم ، بل الذي يريده هذا يبغضه هذا ، فلا يمكن إرضاؤهم كلهم ، كما قال الشافعي رضي الله عنه : رضا الناس غاية لا تدرك ، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه ، ودع ما سواه فلا تعانه . فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور ، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور .

وأيضا فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئا ، فإذا اتقى العبد ربه ، [ ص: 350 ] كفاه مئونة الناس . كما كتبت عائشة إلى معاوية - رضي الله عنهما - ، روي مرفوعا ، وروي موقوفا عليها : من أرضى الله بسخط الناس ، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله ، عاد حامده من الناس له ذاما . فمن أرضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه ، ثم فيما بعد يرضون ، إذ العاقبة للتقوى ، ويحبه الله فيحبه الناس . كما في ( ( الصحيحين ) ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا أحب الله العبد نادى : يا جبريل ، إني أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي [ ص: 351 ] جبريل في السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ، وقال في البغض مثل ذلك .

فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق ، وإما الخالق . وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة ، وتقوى الله هي التي يحصل بها سعادة الدنيا والآخرة ، فهو سبحانه أهل للتقوى ، وهو أيضا أهل للمغفرة ، فإنه هو الذي يغفر الذنوب ، لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها غيره ، وهو الذي يجير ولا يجار عليه . قال بعض السلف : ما احتاج تقي قط ، لقوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس ، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون ، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا ، فليستغفر الله وليتب إليه ، ثم قال تعالى : ومن يتوكل على الله فهو حسبه . [ الطلاق : 3 ] ، أي فهو كافيه ، لا يحوجه إلى غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث