الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا

ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا

موقع هذه الآية هنا غامض ، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضا ، ولم يأت فيها المفسرون بما يثلج له الصدر ، والذي يظهر لي أن [ ص: 42 ] الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار ، وكان المنذرون إذا سمعوا الوعيد والإنذار يستهزئون به ويقولون ( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) عطف هذا الكلام على ما سبق تنبيها على أن لذلك الوعد أجلا مسمى ، فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) و ( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في القرآن .

وفعل ( يدعو ) مستعمل في معنى يطلب ويبتغي ، كقول لبيد :


أدعو بهن لعاقر أو مطفل بذلت لجيران الجميع لحامها

وقوله ( دعاءه بالخير ) مصدر يفيد تشبيها ، أي يستعجل الشر كاستعجاله الخير ، يعني يستبطئ حلول الوعيد كما يستبطئ أحد تأخر خبر وعد به .

وقوله : ( وكان الإنسان عجولا ) تذييل ، فالإنسان هنا مراد به الجنس ; لأنه المناسب للتذييل ، أي وما هؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة إلا من نوع الإنسان ، وفي نوع الإنسان الاستعجال فإن ( كان ) تدل على أن اسمها متصف بخبرها اتصافا متمكنا ، كقوله تعالى : ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) .

والمقصود من قوله : ( وكان الإنسان عجولا ) الكناية عن عدم تبصره ، وأن الله أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) ، ولكنه درج لهم وصول الخير والشر لطفا بهم في الحالين .

والباء في قوله ( بالشر وبالخير ) لتأكيد لصوق العامل بمعموله كالتي في قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم ) ; أو لتضمين مادة الدعاء معنى الاستعجال ، فيكون كقوله تعالى : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) .

[ ص: 43 ] وعجول : صيغة مبالغة في عاجل ، يقال : عجل فهو عاجل وعجول .

وكتب في المصحف ( ويدع ) بدون واو بعد العين إجراء لرسم الكلمة على حالة النطق بها في الوصل كما كتب ( سندع الزبانية ) ونظائرها ، قال الفراء : لو كتبت بالواو لكان صوابا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث