الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            بيان الموضع الذي أهل منه عليه الصلاة والسلام ، واختلاف الناقلين لذلك ، وترجيح الحق في ذلك

            اختلف في الموضع الذي أهل فيه- صلى الله عليه وسلم- .

            فقيل : أهل من المسجد الذي بذي الحليفة ، فروى الخمسة عن سالم ، عن أبيه عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنه- صلى الله عليه وسلم- أهل من عند المسجد ، يعني : مسجد ذي الحليفة ، وفي رواية الشيخين ، عن ابن عمر قال : بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنما أهل من المسجد .

            روى الطبراني ، عن أبي داود المازني ، وكان من أهل بدر ، قال : خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فدخل مسجد ذي الحليفة ، فصلى فيه أربع ركعات ، ثم أهل في المسجد فسمعه الذين كانوا في المسجد فقالوا أهل من المسجد ، وأهل حين ركب راحلته ، فقال الذين عند المسجد أهل حين استوت به راحلته ، ثم لما استوى على البيداء أهل فسمعه الذين على البيداء فقالوا أهل من البيداء وصدقوا كلهم .

            وقيل : أهل حين استوت به راحلته- صلى الله عليه وسلم- .

            وروى الستة ، عن أنس- رضي الله تعالى عنه- قال : بات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة حتى أصبح ، فلما زالت راحلته واستوت به أهل .

            وروى البخاري عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال : «فأصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة ، وركب راحلته حتى استوى على البيداء [أهل] هو وأصحابه» ورواه الإمام أحمد من طريق آخر نحوه .

            وروى مسلم من طريق زين العابدين بن علي بن الحسين ، والبخاري من طريق عطاء ، كلاهما عن جابر- رضي الله تعالى عنه- «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل حين استوت به راحلته» .

            وروى الشيخان من طريق عبيد بن جريج ، عن ابن عمر قال : «أما الإهلال فإني لم أر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يهل حتى تنبعث به راحلته» .

            وروى الإمام أحمد ، من طريق أبي حسان : مسلم بن عبد الله البصري الأعرج ، والبخاري من طريق كريب ، كلاهما عن ابن عباس قال : «لما أصبح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة ودعا براحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج» .

            وروى الشيخان ، عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل حين استوت به راحلته» .

            قال ابن كثير : وهذه الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به راحلته عن ابن عمر مقدمة على الأخرى لاحتمال أنه أراد أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته ، وتكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى ، ورواية أنس وجابر وكذا رواية ابن عباس التي في الصحيح سالمات من المعارض ، قال : وهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه- صلى الله عليه وسلم- أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير ، زاد ابن عمر . وهي مستقبلة القبلة .

            قال : وما في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت ، من رواية خصيف الحروري ، عن سعيد بن جبير .

            قلت : وجعل أبو جعفر الطحاوي والحافظ حديث ابن عباس هذا جامعا بين الأقوال ، وأورده ابن القيم ساكتا عليه . وكان حجه صلى الله عليه وسلم على رحل ، لا في محمل ، ولا هودج ولا عمارية ، وزاملته تحته . وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل ، والهودج والعمارية ونحوها على قولين ، هما روايتان عن أحمد ، أحدهما : الجواز وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة . والثاني : المنع وهو مذهب مالك .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية