الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا

وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا

عطف جملة على جملة ، وقصة على قصة ، فإنه لما نوه بالقرآن في قوله إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ثم أعقب بما اقتضاه السياق من [ ص: 116 ] الإشارة إلى ما جاء به القرآن من أصول العقيدة ، وجوامع الأعمال ، وما تخلل ذلك من المواعظ والعبر عاد هنا إلى التنبيه على عدم انتفاع المشركين بهدي القرآن ; لمناسبة الإخبار عن عدم فقههم دلالة الكائنات على تنزيه الله تعالى عن النقائض ، وتنبيها للمشركين على وجوب إقلاعهم عن بعثهم وعنادهم ، وتأمينا للنبيء صلى الله عليه وسلم من مكرهم به وإضمارهم إضراره ، وقد كانت قراءته القرآن تغيظهم ، وتثير في نفوسهم الانتقام .

وحقيقة الحجاب : الستار الذي يحجب البصر عن رؤية ما وراءه ، وهو هنا مستعار للصرفة التي يصرف الله بها أعداء النبيء صلى الله عليه وسلم عن الإضرار به ، وللإعراض الذي يعرضون به عن استماع القرآن وفهمه ، وجعل الله الحجاب المذكور إيجاد ذلك الصارف في نفوسهم بحيث يهمون ولا يفعلون ، من خور الإرادة والعزيمة بحيث يخطر الخاطر في نفوسهم ثم لا يصممون ، وتخطر معاني القرآن في أسماعهم ثم لا يتفهمون ، وذلك خلق يسري إلى النفوس تدريجيا تغرسه في النفوس بادئ الأمر شهوة الإعراض ، وكراهية المسموع منه ثم لا يلبث أن يصير ملكا في النفس لا تقدر على خلعه ولا تغيره .

وإطلاق الحجاب على ما يصلح للمعنيين إما على حقيقة اللفظ ، وإما للحمل على ما له نظير في القرآن . وقد جاء في الآية الأخرى ومن بيننا وبينك حجاب .

ولما كان إنكارهم البعث هو الأصل الذي استبعدوا به دعوة النبيء صلى الله عليه وسلم حتى زعموا أنه يقول محالا إذ يخبر بإعادة الخلق بعد الموت وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة

استحضروا في هذا الكلام بطريق الموصولة لما في الصلة من الإيماء إلى علة جعل ذلك الحجاب بينه وبينهم فلذلك قال وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة .

[ ص: 117 ] ووصف الحجاب بالمستور مبالغة في حقيقة جنسه ، أي حجابا بالغا الغاية في حجب ما يحجبه هو حتى كأنه مستور بساتر آخر ، فذلك في قوة أن يقال : جعلنا حجابا فوق حجاب . ونظيره قوله تعالى ويقولون حجرا محجورا .

أو أريد أنه حجاب من غير جنس الحجب المعروفة فهو حجاب لا تراه الأعين ، ولكنها ترى آثار أمثاله ، وقد ثبت في أخبار كثيرة أن نفرا هموا الإضرار بالنبيء صلى الله عليه وسلم ، فما منهم إلا وقد حدث له ما حال بينه ، وبين همه ، وكفى الله نبيه شرهم ، قال تعالى فسيكفيكهم الله وهي معروفة في أخبار السيرة .

وفي الجمع بين حجابا و مستورا من البديع الطباق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث