الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا وصى في أبواب البر صرفه في القرب

جزء التالي صفحة
السابق

وإن وصى في أبواب البر صرفه ، وقيل عنه : يصرف في أربع جهات : في الأقارب والمساكين والحج والجهاد ، وعنه : فداء الأسرى مكان الحج وإن وصى أن يحج عنه بألف ، صرف في حجة بعد أخرى حتى ينفد ، ويدفع إلى كل واحد قدر ما يحج به ، وإن قال : حجوا عني بألف ، دفع الكل إلى من يحج به ، فإن عينه ، فقال : يحج عني فلان بألف ، فإن أبى الحج ، وقال : اصرفوا لي الفضل ، لم يعطه ، وبطلت الوصية وإن وصى لأهل سكته ، فهو لأهل دربه ، وإن وصى لجيرانه ، تناول أربعين دارا من كل جانب وقال أبو بكر : مستدار أربعين دارا ، وإن وصى لأقرب قرابته ، وله أب وابن ، فهما سواء ، والجد والأخ سواء ، ويحتمل تقديم الابن على الأب ، والأخ على الجد ، والأخ من الأب والأخ من الأم سواء ، والأخ من الأبوين أحق منهما .

التالي السابق


( وإن وصى في أبواب البر صرفه في القرب ) كلها ، اختاره المؤلف ، وجزم به في الوجيز ; لأن اللفظ للعموم فيجب الحمل عليه ، ولا يجوز التخصيص إلا بدليل ( وقيل عنه ) أي عن الإمام أحمد ( يصرف في أربع جهات في الأقارب ، والمساكين ، والحج ، والجهاد ) قال ابن المنجا : وهي المذهب ; لأن أبواب البر ، وإن كانت عامة إلا أن الظاهر من حال الموصي أنه أراد المشهور منها ، والجهات الأربع هي أشهر القرب ; لأن الصدقة على الأقارب صدقة وصلة ، والمساكين مصارف الصدقات ، والحج والجهاد من أكبر شعائر الإسلام ، وظاهره أنها سواء ، لكن الغزو أفضلها ، فيبدأ به ، نص عليه في رواية حرب ، وهو قول أبي الدرداء ( وعنه فداء الأسرى مكان الحج ) لأن فداءهم من أعظم القربات ; لما فيه من تخليص رقبة مؤمنة من أيدي الكفار ، وهو يتضمن منفعة المخلص ، ونفع نفسه ، بخلاف الحج ، ونقل المروذي عنه فيمن أوصى بثلثه في أبواب البر [ ص: 40 ] يجزأ ثلاثة أجزاء في الجهاد ، والأقارب ، والحج ، قال في المغني : وهذا ليس على سبيل اللزوم والتحديد ، بل يجوز صرفها في الجهات كلها للعموم ، ولأنه ربما كان غير هذه الجهات من تكفين ميت ، وإصلاح طريق ، وإعتاق رقبة ، وإغاثة ملهوف - أحوج من بعضها وأحق . فرع : إذا قال : ضع ثلثي حيث أراك الله ، فله صرفه في أي جهة من جهات القرب عملا بمقتضى وصيته ، وقال القاضي : يجب صرفه إلى الفقراء ، والمساكين ، والأفضل صرفه إلى فقراء أقاربه فإن لم يجد ، فإلى محارمه من الرضاع ، فإن لم يكن ، فإلى جيرانه . ( وإن وصى ) أي : من لا حج عليه ، قاله في الوجيز والفروع ( أن يحج عنه بألف ، صرف ) من ثلثه ( في حجة ) أي مؤنة حجه ، أمانة ، أو جعالة ، أو إجارة ، إن صح الإيجار عليه من محل وصيته كحجه بنفسه ، وقيل : أو من الميقات ، وهو أولى ( بعد أخرى ) راكبا أو راجلا ، نص عليه ( حتى ينفد ) لأنه وصى بها في جهة قربة ، فوجب صرفها فيها كالوصية في سبيل الله ، وعنه لا يصرف منها سوى مؤنة حجة واحدة ، والبقية إرث ، وعنه : بعد حجه للحج ، أو سبيل الله ، فلو لم تكف الألف ، أو البقية حج من حيث يبلغ في ظاهر نصوصه ، وعنه يعان به في حج ، قال القاضي : وحكاه العنبري عن سوار القاضي ، ونقل أبو داود يخير بينهما ( ويدفع ) الوصي ( إلى كل واحد قدر ما يحج به ) من غير زيادة على نفقة المثل ; لأنه أطلق له التصرف في المعاوضة ، فاقتضى عوض المثل كالتوكيل في البيع ، ثم إن كان الموصى به لا يحمل الثلث ، لم يخل [ ص: 41 ] من أن يكون الحج فرضا ، أو نفلا ، فإن كان فرضا ، أخذ أكثر الأمرين من الثلث ، أو القدر الكافي لحج الفرض إذا كان قد أوصى بالثلث ، فإن كان الثلث أكثر أخذه ، وصرف في الغرض قدر ما يكفيه ، وباقيه في حجة أخرى حتى ينفد ، وإن كان الثلث أقل ، تم قدر ما يكفي الحج ، في قول الجمهور ، وإن كان تطوعا أخذ الثلث لا غير إذا لم يجز الورثة ، ويحج به على ما وصفنا . ( وإن قال : يحج عني حجة بألف ، دفع الكل إلى من يحج ) لأنه أوصى بها في حجة واحدة ، فوجب أن يعمل بها ، فإن فضل منها فضل ، فهو لمن يحج ; لأنه قصد إرفاقه ، فكأنه صرح به ، وقيل : إرث ، جزم به في التبصرة ، ولا يدفعها إلى وارث نص عليه ، زاد في الشرح وغيره حيث كان فيها فضل إلا بإذن الورثة ، واختار جماعة للوارث أن يحج عنه إذا عينه ، ولم يزد على نفقة المثل ، وفي الفصول : إن لم يعينه ، جاز ، وقيل له في رواية أبي داود : أوصى أن يحج عنه ؛ قال : لا ، كأنه وصية لوارث ( فإن عينه ، فقال : يحج عني فلان بألف ) صرف ذلك إليه ( فإن أبى الحج ، وقال : اصرفوا لي الفضل لم يعطه ) لأنه إنما وصى له بالزيادة بشرط الحج ، ولم يوجد ( وبطلت الوصية ) حكاه في الفروع قولا ; لأن الموصى له لم يقبلها بامتناعه من فعلها ، أشبه ما لو أوصى له بمال فرده ، وقيل : في حقه ، وقد زاده بعض من أذن له المؤلف في الإصلاح ; لأن الوصية فيها حق للحج ، وحق للموصى له ، فإذا رده ، بطل في حقه دون غيره ; لقوله : بيعوا عبدي لفلان ، وتصدقوا بثمنه ، فلم يقبله ، وكما لو لم يقدر الموصى له بفرس في السبيل على الخروج ، نقله أبو طالب ، ويحج عنه بأقل ما يمكن من نفقة ، أو أجرة ، والبقية إرث كالفرض . [ ص: 42 ] فرع : إذا قال : حجوا عني حجة ، ولم يذكر قدرا من المال ، فإنه لا يدفع إلى من يحج إلا قدر نفقة المثل ، والباقي للورثة ، قال في الشرح : وهذا ينبني على أنه لا يجوز الاستئجار عليه ، فإن قلنا بجوازه ، فلا يستأجر إلا نفسه بأقل ما يمكن ، وما فضل ، فهو للأجير ; لأنه ملك ما أعطى بعقد الإجارة ، وإن تلف المال في الطريق ، فهو من ماله ، ويلزمه إتمام العمل ، فلو وصى بثلاث حجج إلى ثلاث نفر ، صح صرفها في عام واحد ، وجزم به في الوجيز ، وفي الرعاية عكسه . تنبيه : إذا أوصى أن يحج عنه بالنفقة ، صح ، واختار أبو محمد الجوزي : إن وصى بألف يحج بها ، صرف في كل حجة قدر نفقته حتى ينفذ ، وإن قال : حجوا عني بألف ، فما فضل للورثة ، ولو قال : يحج عني زيد بألف ، فما فضل وصية له أن يحج ، وله تأخيره لعذر ، ولا يعطى إلى أيام الحج ، قاله أحمد ، نقل أبو طالب : اشترى به متاعا يتجر به ، قال : لا يجوز ، قد خالف ، لم يقل اتجر به ، ولا يصح أن يحج وصي بإخراجها نص عليه ; لأنه منفذ كقوله تصدق عني ، لا يأخذ منه ، وكما لا يحج على دابة موصى بها في السبيل . ( وإن وصى لأهل سكته ، فهو لأهل دربه ) لأن السكة الطريق ، والدرب طريق مضاف إليه ، وحينئذ يعطى من كان ساكنا وقت الوصية ، أو طرأ إليه بعدها ، وجزم في المستوعب بالأول ، ونص عليه ، وقيل : أهل دربه وسكته أهل المحلة الذي طريقهم في دربه ( وإن وصى لجيرانه تناول أربعين دارا من كل جانب ) نص عليه ، وهو قول الأوزاعي ، لما روى أبو هريرة أن النبي [ ص: 43 ] صلى الله عليه وسلم ، قال الجار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا . رواه أحمد ، وهذا نص لا يجوز العدول عنه إن صح ، وإلا فالجار المقارب ، ويرجع فيه إلى العرف ، قاله في الشرح ، وحكاه في الفروع قولا ، ونقل ابن منصور ينبغي أن لا يعطى إلا الجار الملاصق ; لأنه مشتق من المجاورة ، ومقتضاه أن المجموع مائة وستون ، وفيه نظر ، فإن دار الموصي قد تكون كبيرة في التربيع فيسامتها من كل جهة أكثر من دار لصغر المسامت لها ، أو يسامتها داران ، يخرج من كل منها شيء عنها ، فيزيد على العدد ، ويقسم المال على عدد الدور ، وكل حصة دار تقسم على سكانها ، وجيران المسجد من يسمع النداء منه ، وقال أبو يوسف : الجيران أهل المحلة إن جمعهم مسجد ، فإن تفرق أهلها في مسجدين صغيرين متقاربين ، فكذلك ، وإن كانا عظيمين ، فكل أهل مسجد جيران ( وقال أبو بكر : مستدار أربعين دارا ) وهو رواية عن أحمد ; لأن الخبر يحتمل ، وعنه : ثلاثين دارا من كل جانب ، ذكرها ابن هبيرة ، وابن الزاغوني ، قال : واحتج لذلك بحديث رواه الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( وإن وصى لأقرب قرابته ) أو لأقرب الناس إليه ، أو أقربهم به رحما ، وله أب وابن فهما سواء ; لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه من غير واسطة ، فإن كان أحدهما ، تعين بلا شك ( والجد والأخ سواء ) لأن كل واحد منهما يدلي بالأب من غير واسطة ( ويحتمل ) وحكاه في المستوعب وجها ( تقديم الابن على الأب ) لأنه يسقط تعصيبه ، ورد بأن إسقاط تعصيبه لا يمنع مساواته ، ولا كونه أقرب منه ، بدليل ابن الابن يسقط تعصيب من بعده ( والأخ على [ ص: 44 ] الجد ) لأنه يدلي ببنوة الأب ، والجد يدلي بالأبوة ، فهما كالأب والابن ، ورد : بأنه لا يصح قياس الأخ على الابن ; لأنه يسقط تعصيب الجد ، بخلاف الابن ، وعلم منه تقديم الابن على الجد ، والابن على ابن الابن . تنبيه : البنت كالابن ، والجد أبو الأب ، وأبو الأم ، وأم الأب ، وأم الأم ، كلهم سواء ، ذكره في المغني ، ويحتمل تقديم أبي الأب على أبي الأم ; لأنه يسقطه ، ثم بعد الأولاد أولاد البنين ، وإن سفلوا الأقرب فالأقرب ، الذكور والإناث ، وفي أولاد البنات وجهان بناء على الوقف ، ثم بعد الأولاد الأجداد الأقرب منهم فالأقرب ; لأنهم العمود الثاني ، ثم الأخوة والأخوات ، ثم ولدهم ، وإن سفلوا ولا شيء لولد الأخوات إذا قلنا بعدم دخول ولد البنات ، والعم من الأب والعم من الأم سواء ، وفيه احتمال ، وكذلك أبناؤهما على الترتيب ، ذكره القاضي ( والأخ من الأب والأخ من الأم سواء ) لأنهما في درجة واحدة لا يقال : كيف سوى بينهما ؛ إذ لو أوصى لقرابته ، لم يدخل فيها ولد الأم على المذهب ، ومن لا يدخل في القرابة لا يدخل في أقرب القرابة ; لأن ذلك مخرج على الرواية الأخرى ، كما ذكره في المغني ، لا على المذهب ( والأخ من الأبوين أحق منهما ) لأن له قرابتين ، فهو أقرب ممن له قرابة واحدة ، فلو أوصى لعصبته ، فهو لمن يرثه بالتعصيب ، سواء كان ممن يرثه في الحال أو لا ، ويستوي فيه قريبهم وبعيدهم . فرع : لم يتعرض المؤلف لذوي الأرحام ، فإن قلنا بالرواية التي تجعل القرابة كل من يقع عليه اسم القرابة كان حكمهم كما سلف ، وإن قلنا القرابة تختص بمن كان من أولاد الآباء ، فلا تدخل فيهم الأم ، ولا أقاربها .

[ ص: 45 ] مسألة : أوصى لجماعة من أقرب الناس إليه ، أعطى ثلاثة ، فإن كانوا أكثر في درجة واحدة ، كالإخوة ، فهو لجميعهم ; لأن الاسم يشملهم ، وإن لم يوجد ثلاثة في درجة واحدة ، كملت من الثانية ، وإن لم تكمل منها ، فمن الثالثة . فوائد : أوصى بإحراق ثلث ماله صح وصرف في تجمير الكعبة ، وتنوير المساجد ، ذكره ابن عقيل ، وفي التراب يصرف في تكفين الموتى ، وفي الماء في عمل سفن للجهاد ، وفي الهواء قال شيخنا محب الدين بن نصر الله : يتوجه أن يعمل به باذهنج لمسجد ينتفع به المصلون ، وفيه شيء . ولو وصى بكتب العلم لآخر ، لم يدخل فيها كتب الكلام ; لأنها ليست من العلم ، ولو أوصى بدفنها لم تدفن ، قاله أحمد ، ونقل الأثرم : لا بأس ، وقال الخلال : الأحوط دفنها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث