الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب الرضاع .

عن عروة عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن سالما كان يدعى لأبي حذيفة ، وإن الله عز وجل قد أنزل في كتابه ادعوهم لآبائهم وكان يدخل علي ، وأنا فضل ، ونحن في منزل ضيق فقال : أرضعي سالما تحرمي عليه ، ورواه مسلم ، وفي رواية له قالت وكيف أرضعه ، وهو رجل كبير ، وكان قد شهد بدرا ، وفي رواية له فقالت إنه ذو لحية فقال أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة ، وله (أن أم سلمة كانت تقول أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة ، وقلن لعائشة ، والله ما نرى هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة) ، وللترمذي ، وصححه من حديث أم سلمة لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء من الثدي وكان قبل الفطام ، وللدارقطني بإسناد جيد من حديث ابن عباس لا رضاع إلا ما كان في الحولين .

[ ص: 131 ]

التالي السابق


[ ص: 131 ] باب الرضاع عن عروة عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن سالما كان يدعى لأبي حذيفة ، وإن الله عز وجل قد أنزل في كتابه أدعوهم لآبائهم ، وكان يدخل علي ، وأنا فضل ، ونحن في منزل ضيق فقال أرضعي سالما تحرمي عليه (فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه أبو داود من رواية يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وأم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالما ، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وهو مولى لامرأة من الأنصار . كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا ، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه ، وورث ميراثه حتى أنزل الله عز وجل في ذلك ادعوهم لآبائهم إلى قوله فإخوانكم في الدين ومواليكم فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري ، وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان يأوي معي ، ومع أبي حذيفة [ ص: 132 ] في بيت واحد ، ويراني فضلا . وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها ، وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ، ويدخل عليها ، وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها ، وأبت أم سلمة ، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة ، والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس ، وقوله في هذه الرواية ، وأنكحه ابنة أخيه هند جاء في رواية أخرى أنها فاطمة . وقال ابن عبد البر إنه الصواب ، وأخرجه البخاري في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا حذيفة ، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى سالما فذكره بمعناه إلى قوله فجاءت سهلة النبي صلى الله عليه وسلم قال فذكر الحديث : ولم يسق البخاري بقيته ، وساقها البيهقي في سننه من هذا الوجه كرواية أبي داود ، ورواه البخاري أيضا من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وساق منه إلى قوله ، وقد أنزل الله ما قد علمت ، وقال فذكر الحديث ، وعزو البيهقي هذه الرواية ، والتي قبلها للبخاري يوهم أنه أخرج منه رضاع الكبير الذي بوب عليه البيهقي [ ص: 133 ] وليس كذلك . ولهذا اقتصر الشيخ رحمه الله في النسخة الكبرى من الأحكام على عزو الحديث لمسلم لأن المقصود منه لم يخرجه البخاري لكنه سكت عليه في الصغرى ، ومقتضاه اتفاق الشيخين عليه ، والمراد حينئذ أصل الحديث ، وأخرج النسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة هذه إلى قوله ، وأخا في الدين ، وأخرجه النسائي أيضا من رواية جعفر بن ربيعة عن الزهري كتابة عن عروة عن عائشة ، وفيه فأرضعته خمس رضعات ، ورواه الشافعي في الأم عن مالك عن الزهري عن عروة مرسلا ، وفيه ، وقلن ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده ، وكذا هو في الموطإ . وقال ابن عبد البر هذا يدخل في المسند للقاء عروة عائشة ، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وللقاء سهلة بنت سهيل وقد رواه عثمان بن عمر عن مالك متصل الإسناد بذكر عائشة ثم رواه كذلك ثم حكي عن الدارقطني أنه قال وقد رواه عبد الرزاق ، وعبد الكريم بن روح ، وإسحاق بن عيسى ، وقيل عن ابن وهب عن مالك ، وذكروا في إسناده عائشة أيضا . وأخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم ، وهو حليفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه قالت وكيف أرضعه ، وهو رجل كبير فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال قد علمت أنه رجل كبير . وفي رواية ، وكان قد شهد بدرا لفظ مسلم ، وزاد النسائي ، واللفظ له ، وابن ماجه ثم جاءت بعد فقالت والذي بعثك بالحق ما رأيت في وجه أبي حذيفة بعد شيئا أكرهه ثم قال النسائي خالفه سفيان الثوري فأرسل الحديث ثم رواه من طريق الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه مرسلا ، ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق علي بن حرب عن ابن عيينة ، وفيه قالت ، وهو شيخ كبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو لست أعلم أنه شيخ كبير . وأخرجه مسلم ، والنسائي من طريق ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة ، وفيه أرضعيه تحرمي عليه ، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت إليه فقالت إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن سعيد [ ص: 134 ] ، وربيعة الرأي عن القاسم عن عائشة قالت أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة حتى تذهب غيرة أبي حذيفة فأرضعته ، وهو رجل . قال ربيعة ، وكانت رخصة سالم ، وأخرجه مسلم ، والنسائي من رواية زينب بنت أبي سلمة قالت سمعت أم سلمة تقول لعائشة ، والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة فقالت لم ، قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعيه فقالت إنه ذو لحية فقال أرضعيه يذهب ما في نفس أبي حذيفة فقالت ، والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة . وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ، وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ، ورضاعة الكبير عشرا ، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها .

(الثانية) سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية العامرية تزوجها عبد الرحمن بن عوف بعد استشهاد زوجها باليمامة ، وسالم هو ابن معقل بفتح الميم ، وإسكان العين المهملة ، وكسر القاف يكنى أبا عبد الله كان من الفرس يكنى عبدا لثبيتة بضم الثاء المثلثة ، وبفتح الباء الموحدة ، وإسكان الياء المثناة من تحت بعدها ياء مثناة من فوق . وقيل : بثينة بضم الباء الموحدة ، وفتح الثاء المثلثة ، وإسكان الياء المثناة من تحت بعدها نون ، وقيل عمرة ، وقيل سلمى بنت يعار بفتح الياء المثناة من تحت ، وقيل المثناة من فوق الأنصارية فأعتقت سائبة فانقطع إلى أبي حذيفة ، وهو ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، واسمه قيس كما جزم به ابن عبد البر في التمهيد ، وحكاه عن ابن اليرقي ، ولم يذكر ذلك في الاستيعاب بل قال يقال اسمه مهشم ، ويقال هشيم وقيل هاشم فتبناه حتى جاء الشرع بإبطال ذلك ، وكانا من أفاضل الصحابة ، واستشهدا باليمامة سنة اثنتي عشرة فوجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر ، وقولها كان يدعى لأبي حذيفة أي ينسب إليه .

(الثالثة) قولها (وأنا فضل) بضم الفاء ، والضاد المعجمة قال الخطابي أي ، وأنا متبذلة في ثياب مهنتي يقال تفضلت المرأة إذا تبدلت في ثياب مهنتها ، وذكر [ ص: 135 ] مثله صاحب النهاية ، وزاد أو كانت في ثوب واحد .

وقال ابن عبد البر قال الخليل : رجل متفضل ، وفضل إذا توشح بثوب فخالف بين طرفيه على عاتقه قال ، ويقال امرأة فضل ، وثوب فضل فمعنى الحديث عندي أنه كان يدخل عليها ، وهي منكشف بعضها مثل الشعر ، واليد ، والوجه يدخل عليها ، وهي كيف أمكنها .

وقال ابن وهب فضل مكشوفة الرأس ، والصدر ، وقيل الفضل الذي عليه ثوب واحد ، ولا إزار تحته ، وهذا أصح لأن انكشاف الصدر من الحرة لا يجوز أن يضاف إلى أهل الدين عند ذي محرم فضلا عن غير ذي محرم لأن الحرة عورة مجتمع على ذلك منها إلا وجهها ، وكفيها انتهى .

ويوافق ما صححه ابن عبد البر قول الصحاح تفضلت المرأة في بيتها إذا كانت في ثوب واحد كالخيعل ، ونحوه أي ، وهو بالخاء المعجمة ، والعين المهملة قميص ليس له كمان ، وذلك الثوب مفضل بكسر الميم ، والمرأة فضل بالضم مثال جنب ، وكذلك الرجل ، وإنه لحسن الفضلة عن أبي زيد مثال الجلسة والركبة ، ويوافق المحكي عن الخليل كلام صاحب المحكم فقال التفضل التوشح ، وأن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه يقال ثوب فضل ، ورجل متفضل ، وفضل ، وكذلك الأنثى ، والمفضل ، والمفضلة الثوب الذي تتفضل فيه المرأة انتهى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث