الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله

ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما استئناف ابتدائي ، وهو عود إلى تقرير أدلة الانفراد بالتصريف في العالم المشوبة بما فيها من نعم على الخلق ، والدالة بذلك الشوب على إتقان الصنع ، ومحكم التدبير لنظام هذا العالم ، وسيادة الإنسان فيه وعليه ، ويشبه أن يكون هذا الكلام عودا إلى قوله ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير

[ ص: 158 ] كما تقدم هنالك فراجعه ، فلما جرى الكلام على الإنذار والتحذير أعقب هنا بالاستدلال على صحة الإنذار والتحذير .

والخطاب لجماعة المشركين كما يقتضيه قوله عقبه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ، أي أعرضتم عن دعائه ودعوتم الأصنام ، وقوله ضل من تدعون إلا إياه .

وافتتحت الجملة بالمسند إليه معرفا بالإضافة ، ومستحضرا بصفة الربوبية ; لاستدعاء إقبال السامعين على الخبر المؤذن بأهميته حيث افتتح بما يترقب منه خبر عظيم ; لكونه من شئون الإله الحق ، وخالق الخلق ، ومدبر شئونهم تدبير اللطيف الرحيم ، فيوجب إقبال السامع بشراشره ، إن مؤمنا متذكرا ، أو مشركا ناظرا متدبرا .

وجيء بالجملة الاسمية ; لدلالتها على الدوام والثبات .

وبتعريف طرفيها للدلالة على الانحصار ، أي ربكم هو الذي يزجي لكم الفلك لا غيره ممن تعبدونه باطلا ، وهو الذي لا يزال يفعل ذلك لكم .

وجيء بالصلة فعلا مضارعا ; للدلالة على تكرر ذلك وتجدده ، فحصلت في هذه الجملة على إيجازها معان جمة خصوصية ، وفي ذلك حد الإعجاز . ويزجي : يسوق سوقا بطيئا ، شبه تسخير الفلك للسير في الماء بإزجاء الدابة المثقلة بالحمل .

والفلك هنا جمع لا مفرد ، والبحر : الماء الكثير فيشمل الأنهار كالفرات والدجلة ، وتقدم عند قوله تعالى والفلك التي تجري في البحر في سورة البقرة .

والابتغاء : الطلب ، والفضل : الرزق ، أي للتجارة ، وتقدم عند قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في سورة البقرة ، وهذا امتنان على [ ص: 159 ] الناس كلهم مناسب لعموم الدعوة ; لأن أهل مكة ما كانوا ينتفعون بركوب البحر ، وإنما ينتفع بذلك عرب اليمن ، وعرب العراق ، والناس غيرهم .

وجملة إنه كان بكم رحيما تعليل وتنبيه لموقع الامتنان ليرفضوا عبادة غيره مما لا أثر له في هذه المنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث