الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 739 ] باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

الفصل الأول

919 - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : لقيني كعب بن عجرة ، فقال : ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : بلى ، فأهدها لي ، فقال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليك ، قال : " قولوا : اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد .

التالي السابق


[ 16 ] باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها .

أي : باب حكم الصلاة وثوابها ، اعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ، هل هو للندب أو للوجوب ؟ ثم هل الصلاة عليه فرض عين ، أو فرض كفاية ، ثم هل تتكرر كلما جمع ذكره أم لا ؟ وإذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أن الصلاة في القعدة الأخيرة فرض ، والجمهور على أنها سنة ، وبسط هذا المبحث في القول البديع في الصلاة على الشفيع للسخاوي ، رحمه الله ، والمعتمد عندنا الوجوب والتداخل .

الفصل الأول .

919 - ( عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ) : صحابي شهد أحدا وما بعدها كذا في التهذيب ، وقال في التقريب : أنصاري مدني كوفي ثقة من الثانية ، اختلف في سماعه من عمر ( قال : لقيني كعب بن عجرة ) : بضم العين وسكون الجيم ( فقال : ألا أهدي لك هدية ) : الهمزة للاستفهام لقوله : بلى ( سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : بلى ، فأهدها لي ، فقال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : الفاء ، للتفسير إذ التقدير : أردنا السؤال ( فقلنا : يا رسول الله كيف الصلاة عليكم ) : فيه تغليب ، ويدل عليه الحديث الآتي : كيف نصلي عليك ؟ ( أهل البيت ؟ ) : بالنصب على المدح والاختصاص ، أو على أنه منادى مضاف ، ويجوز جره بكونه عطف بيان لضمير المخاطب ، أما قول ابن حجر : وبالجر على أنه بدل من ضمير عليكم ، ففيه أنه لا يبدل ظاهر من مضمر بدل الكل إلا من الغائب مثل : ضربته زيدا كما في الكافية لابن الحاجب ، وهذا من الفروق اللفظية بين عطف البيان وبدل الكل ( فإن الله قد علمنا ) ، أي : في التحيات بواسطة لسانك ( كيف نسلم عليك ) ، أي : بأن نقول السلام عليك أيها النبي إلخ ، كذا قيل ، وحاصله : أن الله قد أمرنا بالصلاة والسلام عليك ، وقد علمنا كيف السلام عليك ، والأظهر أنه عليه السلام أمرهم قال : بالصلاة عليه ، وعلى أهل بيته ، ولما لم يعرفوا كيفيتها سألوه عنها مقرونا بالإيماء ، إلى أنه مستحق للسلام أيضا إلا أنه معلوم عندهم بتعليم الله إياهم بلسانه ، فأرادوا [ تعليم ] الصلاة أيضا على لسانه [ بأن ] ثواب الوارد أفضل وأكمل ، وفيه إشعار إلى عجزهم عن كيفية أداء الثناء عليه ، كما قال عليه السلام في حق الباري : " سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " .

قال المظهر : أي علمنا الله كيف الصلاة والسلام عليك في قوله : ( صلوا عليه وسلموا تسليما ) ، فكيف نصلي على أهل بيتك ؟ وفيه أن الكيفية غير مستفادة من الآية ، وإنما المستفاد منها الأمر بهما ، كما هو الظاهر ، ( قال : " قولوا : اللهم صل على محمد " ) : قال ابن حجر : وفيه رواية للشيخين : ألا أهدي لك هدية ؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا : يا رسول الله ، قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ وفي رواية سندها جيد : لما نزلت هذه الآية إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما جاء رجل إلى [ ص: 740 ] النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، هذا السلام عليك قد عرفناه ، فكيف الصلاة عليك ؟ قال : " قولوا : اللهم صل على محمد " الحديث ، وفي أخرى لمسلم وغيره : أمرنا الله أن نصلي عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ فسكت عليه السلام حتى تمنينا أنه لم يسأل ، ثم قال : قولوا : اللهم صل على محمد " إلخ ، وفي آخره : " والسلام كما علمتم " ، أي : بفتح فكسر أو بضم فكسر مع تشديد اللام ، أي النهاية : أي عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته ، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته ، وقيل : لما أمرنا الله بالصلاة عليه ولم يعلمنا كيفيتها أحلنا على الله فقلنا : اللهم صل أنت على محمد لأنك أعلم ، بما يليق به عليه الصلاة والسلام ، ( وعلى آل محمد " ) : قيل : الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم وبني المطلب ، وقيل : كل تقي آله ، ذكره الطيبي ، وقيل : المراد بالآل جميع أمة الإجابة ، وقيل : المراد بالآل الأزواج ومن حرمت عليه الصدقة ويدخل فيهم الذرية ، وبذلك يجمع بين الأحاديث .

وقال ابن حجر : هم مؤمنو بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء ، وقيل : أولاد فاطمة ونسلهم ، وقيل : أزواجه وذريته لأنهم ذكروا جملة في رواية ، ورد بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث واحد ، وقيل : كل مسلم ، ومال إليه مالك ، واختاره الزهري وآخرون ، وهو قول سفيان الثوري وغيره ، ورجحه النووي في شرح مسلم ، وقيده القاضي حسين بالأتقياء ، ويؤيده ما روى تمام في موائده ، والديلمي عن أنس قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آل محمد ؟ فقال : " كل تقي من آل محمد " زاد الديلمي : ثم قرأ : إن أولياؤه إلا المتقون ( كما صليت على إبراهيم " ) : ذكر في وجه تخصيصه من بين الأنبياء اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، متفق عليه ، إلا أن مسلما لم يذكر : " على إبراهيم " في الموضعين .

- وجوه ، أظهرها كونه جد النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا ، بمتابعته في أصول الدين ، أو في التوحيد المطلق والانقياد المحقق ( " وعلى آل إبراهيم " ) : وهم إسماعيل وإسحاق وأولادهما . في التشبيه إشكال مشهور ، وهو أن المقرر كون المشبه دون المشبه به ، والواقع هنا عكسه ; لأن محمدا وحده صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم وآله ، وأجيب بأجوبة منها : أن هذا قبل أن يعلم أنه أفضل ، ومنها : أنه قال تواضعا ، ومنها : أن التشبيه في الأصل لا في القدر كما قيل في : كما كتب على الذين من قبلكم وكما في إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ، وأحسن كما أحسن الله إليك ومنها أن الكاف للتعليل كقوله تعالى : ولتكبروا الله على ما هداكم ومنها : أن التشبيه معلق بقوله : وعلى آل محمد ، ومنها : أن التشبيه بها هو للمجموع بالمجموع ، فإن الأنبياء من آل إبراهيم كثيرة وهو أيضا منهم ، ومنها : أن التشبيه من باب إلحاق ما يشتهر ، بما اشتهر ، ومنها : أن المقدمة المذكورة مدفوعة ، بل قد يكون التشبيه بالمثل وبما دونه كما في قوله تعالى : مثل نوره كمشكاة ( " إنك حميد " ) : فعيل ، بمعنى مفعول ، أي : محمود في ذاته وصفاته وأفعاله بألسنة خلقه ، أو بمعنى فاعل فإنه يحمد ذاته وأولياءه ، وفي الحقيقة هو الحامد وهو المحمود ، ( " مجيد " ) ، أي : عظيم كريم ، ( " اللهم بارك على محمد " ) ، أي : أثبت وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة ، وأصله من ( برك البعير ) إذا أناخ في موضعه ولزمه ، وتطلق البركة على الزيادة ، والأصل هو الأول ( " وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم " ) : وصح عند مسلم وغيره زيادة : " في العالمين " هنا وثمة وهي متعلقة ، بمحذوف دل عليه السياق ، أي : أظهر الصلاة والبركة على محمد وعلى آله في العالمين ، كما أظهرتهما على إبراهيم وآله في العالمين ( " إنك حميد مجيد " ) : وهنا زيادة على أصل السؤال ووقع تتميما للكمال ، ( متفق عليه ) : قالميرك : ولفظه للبخاري ، ورواه الأربعة ، ( إلا أن مسلما لم يذكر " على إبراهيم " في الوضعين ) : وقال الأبهري : ولم يذكر البخاري أيضا في الثاني ، وقال : وبارك على آل إبراهيم اهـ .

فالآل مقحمة أو فيه تغليب ، أي : آل إبراهيم معه ، قال ابن حجر : فهي من زيادات البخاري هنا ، وسيأتي أنهما اتفقا عليها من غير كعب ، إلا أنهما لم يذكرا : كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، وإنما ذكرها الحاكم في المستدرك ، كما ذكره بعض الحفاظ ، فعجيب إدراج المؤلف وأصله لها في روايتيهما .

[ ص: 741 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث