الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا .

بعد أن عدت أشكال عنادهم ومظاهر تكذيبهم أعقبت ببيان العلة الأصلية التي تبعث على الجحود في جميع الأمم ، وهي توهمهم استحالة أن يبعث الله للناس برسالة بشرا مثلهم ، فذلك التوهم هو مثار ما يأتونه من المعاذير ، فالذين هذا أصل معتقدهم لا يرجى منهم أن يؤمنوا ، ولو جاءتهم كل آية ، وما قصدهم من مختلف المقترحات إلا إرضاء أوهامهم بالتنصل من الدخول في الدين ، فلو أتاهم الرسول بما سألوه ، لانتقلوا فقالوا : إن ذلك سحر ، أو قلوبنا غلف ، أو نحو ذلك ، ومع ما في هذا من بيان أصل كفرهم ، هو أيضا رد بالخصوص لقولهم أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ورد لقولهم أو ترقى في السماء إلى آخره .

[ ص: 212 ] وقوله إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا يقتضي بصريحه أنهم قالوا بألسنتهم ، وهو مع ذلك كناية عن اعتقادهم ما قالوه ، ولذلك جعل قولهم ذلك مانعا من أن يؤمنوا ; لأن اعتقاد قائليه يمنع من إيمانهم بضده ، ونطقهم بما يعتقدونه يمنع من يسمعونهم من متبعي دينهم .

وإلقاء هذا الكلام بصيغة الحصر ، وأداة العموم جعله تذييلا لما مضى من حكاية تفننهم في أساليب التكذيب ، والتهكم .

فالظاهر حمل التعريف في الناس على الاستغراق ، أي ما منع جميع الناس أن يؤمنوا إلا ذلك التوهم الباطل ; لأن الله حكى مثل ذلك عن كل أمة كذبت رسولها فقال حكاية عن قوم نوح ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين .

وحكي مثله عن هود ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ، وعن قوم صالح ما أنت إلا بشر مثلنا ، وعن قوم شعيب وما أنت إلا بشر مثلنا ، وحكي عن قوم فرعون قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ، وقال قوم محمد صلى الله عليه وسلم بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب وإذا شمل العموم كفار قريش أمر الرسول بأن يجيبهم عن هذه الشبهة بقوله لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين الآية ، فاختص الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم باجتثاث هذه الشبهة من أصلها ، اختصاصا لم يلقنه من سبق من الرسل ، فإنهم تلقوا تلك الشبهة باستنصار الله تعالى على أقوالهم فقال عن نوح قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين .

[ ص: 213 ] وقال مثله عن هود وصالح ، وقال عن موسى وهارون : فكذبوهما فكانوا من المهلكين ، فقد ادخر الله لرسوله قواطع الأدلة على إبطال الشرك وشبه الضلالة بما يناسب كونه خاتم الرسل ، ولهذا قال في خطبة حجة الوداع : إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم .

ومعنى قوله لو كان في الأرض ملائكة يمشون إلخ : أن الله يرسل الرسول للقوم من نوعهم ; للتمكن من المخالطة ; لأن اتحاد النوع هو قوام تيسير المعاشرة ، قال تعالى ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ، أي في صورة رجل ليمكن التخاطب بينه وبين الناس .

وجملة " يمشون " وصف لـ " ملائكة " .

و " مطمئنين " حال ، والمطمئن : الساكن ، وأريد به هنا المتمكن غير المضطرب ، أي مشي قرار في الأرض ، أي لو كان في الأرض ملائكة قاطنون على الأرض غير نازلين برسالة للرسل أنزلنا عليهم ملكا .

ولما كان المشي والاطمئنان في الأرض من صفة الإنسان آل المعنى إلى : لو كنتم ملائكة لنزلنا عليكم من السماء ملكا ، فلما كنتم بشرا أرسلنا إليكم بشرا مثلكم ، ومجيء الهدى هو دعوة الرسل إلى الهدى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث