الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة :

اعلم أن بعض من غلبت عليه البطالة استثقل المجاهدة والرياضة ، والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق ، فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه ، وخبث دخلته ، فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها ، فإن الطباع لا تتغير ، فنقول : لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ، ولما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حسنوا أخلاقكم " .

وكيف ينكر هذا في حق الآدمي ، وتغيير خلق البهيمة ممكن ، إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد ، وكل ذلك تغيير للأخلاق ، والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول : الموجودات منقسمة :

إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله ، كالسماء والكواكب ، بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات ، وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله .

وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه ، وشرطه قد يرتبط باختيار العبد ، فإن النواة ليس بتفاح ولا نخل ، إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها ، ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية ، فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض ، فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ، ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة [ ص: 178 ] قدرنا عليه ، وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى .

نعم الجبلات مختلفة ، بعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول ، وليس المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها ، وهيهات فإن الشهوة خلقت لفائدة ، وهي ضرورية في الجبلة ، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انقطع الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك . ومهما بقي أصل الشهوة ، فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك المال ، وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية ، بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط .

والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية ، وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا . وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ، ومع قوته منقادا للعقل ؛ ولذلك قال الله تعالى : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] وصفهم بالشدة ، وإنما تصدر الشدة عن الغضب ، ولو بطل الغضب لبطل الجهاد ، وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية ، والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك ، إذ قال - صلى الله عليه وسلم - : " إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر " ، وكان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب حتى تحمر وجنتاه ، ولكن لا يقول إلا حقا ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يخرجه غضبه عن الحق ، وقال تعالى : ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ) [ آل عمران : 134 ] ولم يقل والفاقدين الغيظ ، فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ولا يغلبه ، بل يكون العقل هو الضابط لهما والغالب عليهما ، ممكن ، وهو المراد بتغيير الخلق ، فإنه ربما تستولي الشهوة على الإنسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش ، وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال ، فدل أن ذلك ممكن ، والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها . والذي يدل على أن المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين أن السخاء خلق محمود شرعا ، وهو وسط بين طرفي التبذير والتقتير ، وقد أثنى الله تعالى عليه فقال : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) [ الفرقان : 67 ] وقال تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) [ الإسراء : 29 ] وكذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والجمود ، قال الله تعالى : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) [ الأعراف : 31 ] وقال في الغضب : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [ الفتح : 29 ] . وقال - صلى الله عليه وسلم - : " خير الأمور أوساطها " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث