الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الآفة الخامسة : الخصومة :

وهي أيضا مذمومة ، وهي وراء الجدال والمراء ، وحقيقتها لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو حق مقصود ، وفي الحديث : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " . ولا تكون الخصومة مذمومة إلا إن كانت بالباطل أو بغير علم ، كالذي يدافع قبل أن يعلم الحق في أي جانب ، أو يمزج بخصومته كلمات مؤذية لا حاجة لها في نصرة الحجة وإظهار الحق ، أو يحمله على الخصومة محض العناد ؛ لقهر الخصم وكسره ، مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال . وفي [ ص: 190 ] الناس من يصرح به ويقول : " إنما قصدي عناده وكسر غرضه ، وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي " وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج ، وهو مذموم جدا . فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ، ومن غير قصد عناد وإيذاء - ففعله ليس بحرام ، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا ، فإن ضبط اللسان في الخصومة على قدر الاعتدال متعذر ، والخصومة توغر الصدر ، وتهيج الغضب ، وإذا هاج نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين ، حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته ، ويطلق اللسان في عرضه ، فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات ، وأقل ما فيه تشويش خاطره ، حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه ، فلا يبقى الأمر على حد الواجب ، فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال ، فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة ، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة ، وذلك متعذر جدا . نعم أقل ما يفوته في الخصومة والمراء والجدال طيب الكلام ، وقد قال الله تعالى : ( وقولوا للناس حسنا ) [ البقرة : 83 ] ، وقال " ابن عباس " رضي الله عنهما : " من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا ؛ إن الله تعالى يقول : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء : 86 ] وقال " ابن عباس " أيضا : " لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه " ، وفي الحديث : " الكلمة الطيبة صدقة " ، وقال " عمر " رضي الله عنه : " البر شيء هين ، وجه طليق ، وكلام لين " . وقال بعض الحكماء : " الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح " ، وقال آخر : " كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك ، فلا تكن به عليه بخيلا ، فلعله يعوضك منه ثواب المحسنين " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث