الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم

جزء التالي صفحة
السابق

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة [ 214 ]

( أن ) تقوم مقام المفعولين ولما يأتكم حذفت الياء للجزم وزلزلوا حتى يقول الرسول هذه قراءة أهل الحرمين . وقرأ أهل الكوفة ، والحسن ، وابن أبي إسحاق ، وأبو عمرو : ( حتى يقول الرسول ) بالنصب ، وهو اختيار أبي عبيد ، وله في ذلك حجتان : إحداهما : عن أبي عمرو قال : " زلزلوا " فعل ماض ، و " يقول " فعل مستقبل ، فلما اختلفا كان الوجه النصب . والحجة الأخرى حكاها عن الكسائي ، قال : إذا تطاول الفعل الماضي صار بمنزلة المستقبل . قال أبو جعفر : أما الحجة الأولى بأن " زلزلوا " ماض ، و " يقول " مستقبل ؛ فشيء ليس فيه علة الرفع ولا النصب ؛ لأن " حتى " ليست من حروف العطف في الأفعال ، ولا هي البتة من عوامل الأفعال ، وكذا قال الخليل وسيبويه في نصبهم ما بعدها على إضمار " أن " إنما حذفوا " أن " لأنهم قد علموا أن " حتى " من عوامل الأسماء ، هذا معنى قولهما ، وكأن هذه الحجة غلط ، وإنما تتكلم بها في باب الفاء . وحجة الكسائي بأن الفعل [ ص: 305 ] إذا تطاول صار بمنزلة المستقبل كلا حجة ؛ لأنه لم يذكر العلة في النصب ، ولو كان الأول مستقبلا لكان السؤال بحاله . ومذهب سيبويه في " حتى " أن النصب فيما بعدها من جهتين ، والرفع من جهتين : تقول : سرت حتى أدخلها ، على أن السير والدخول جميعا قد مضيا ، أي سرت إلى أن أدخلها . وهذا غاية ، وعليه قراءة من قرأ بالنصب . والوجه الآخر في النصب في غير الآية : سرت حتى أدخلها ، أي كي أدخلها . والوجهان في الرفع : سرت حتى أدخلهما ، أي سرت فأدخلها ، وقد مضيا جميعا ، أي كنت سرت فدخلت ، ولا تعمل " حتى " ها هنا بإضمار " أن " ؛ لأن بعدها جملة ، كما قال الفرزدق :


فيا عجبا حتى كليب تسبني كأن أباها نهشل أو مجاشع



فعلى هذه القراءة بالرفع ، وهي أبين وأصح معنى ، أي : وزلزلوا حتى الرسول يقول ، أي حتى هذه حاله ؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها ، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى . والوجه الآخر في الرفع في غير الآية : سرت حتى أدخلها ، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن ، وحكى سيبويه : مرض حتى ما يرجونه ، ومثله : سرت حتى أدخلها لا أمنع .

متى نصر الله رفع بالابتداء على قول سيبويه ، وعلى قول أبي العباس : رفع بفعله ، أي متى يقع نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب اسم إن وخبرها [ ص: 306 ] ويجوز في غير القرآن : إن نصر الله قريبا ، أي مكانا قريبا ، والقريب لا تثنيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه ، في هذا المعنى قال - عز وجل - : إن رحمت الله قريب من المحسنين وقال الشاعر :


له الويل إن أمسى ولا أم هاشم     قريب ولا بسباسة ابنة يشكرا



فإن قلت : " فلان قريب " ثنيت وجمعت فقلت : قريبون ، وأقرباء ، أو قرباء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث