الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله

جزء التالي صفحة
السابق

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم

قل الحمد لله : إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر. وأن لا يعبد معه غيره، ثم قال: بل أكثرهم لا يعلمون أن ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا إن الله هو الغني عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه.

قرئ: (والبحر) بالنصب عطفا على اسم إن، وبالرفع عطفا على محل إن ومعمولها على ولو ثبت كون الأشجار أقلاما، وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر. أو على الابتداء [ ص: 21 ] والواو للحال، على معنى، ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودا، وفى قراءة ابن مسعود : و (بحر يمده) على التنكير، ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأول. وقرئ: (يمده) و (يمده) وبالتاء والياء. فإن قلت: كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أن الشجر أقلام، والبحر مداد. قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: يمده; لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهي تصب فيه مدادا أبدا صبا لا ينقطع. والمعنى: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر. وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي [الكهف: 109]. فإن قلت: زعمت أن قوله: والبحر يمده حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال. قلت: هو كقوله [من الطويل]:

وقد أغتدي والطير في وكناتها



و: جئت والجيش مصطف، وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض. فإن قلت: لم قيل: من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟ قلت: أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلاما. فإن قلت: [ ص: 22 ] الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل. فهلا قيل: كلم الله؟ قلت: معناه: أن كلماته لا تفى بكتبتها البحار، فكيف بكلمة؟ وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنها نزلت جوابا لليهود لما قالوا: "قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة" وقيل: إن المشركين قالوا: إن هذا -يعنون الوحي- كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد. وهذه الآية عند بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وفد قريش أن يقولوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألست تتلو فيما أنزل عليك: "أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء" إن الله عزيز لا يعجزه شيء "حكيم" لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته وحكمه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث