الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في العزل

1136 حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا يزيد بن زريع حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر قال قلنا يا رسول الله إنا كنا نعزل فزعمت اليهود أنها الموءودة الصغرى فقال كذبت اليهود إن الله إذا أراد أن يخلقه فلم يمنعه قال وفي الباب عن عمر والبراء وأبي هريرة وأبي سعيد [ ص: 242 ]

التالي السابق


[ ص: 242 ] بفتح العين المهملة وسكون الزاي هو النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج .

قوله : ( فزعمت اليهود أنه ) أي : العزل ( الموءودة الصغرى ) الوأد : دفن البنت حية ، وكانت العرب تفعل ذلك خشية الإملاق والعار ، قاله النووي ، والمعنى : أن اليهود زعموا أن العزل نوع من الوأد ؛ لأن فيه إضاعة النطفة التي أعدها الله تعالى ليكون منها الولد ، وسعيا في إبطال ذلك الاستعداد بعزلها عن محلها ( كذبت اليهود ) أي : في زعمهم أن العزل الموءودة الصغرى ( إن الله تعالى إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه ) أي : العزل ، أو شيء ، وهذا الحديث دليل لمن أجاز العزل . قوله : ( وفي الباب عن عمر والبراء وأبي هريرة وأبي سعيد ) أما حديث عمر فأخرجه أحمد ، وابن ماجه عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل من الحرة إلا بإذنها ، قال صاحب المنتقى : ليس إسناده بذاك ، وقال الشوكاني : في إسناده ابن لهيعة ، وفيه مقال معروف ، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها ، وروى عنه ابن أبي شيبة . أنه كان يعزل عن أمته ، وروى البيهقي عن ابن عمر مثله ، وأما حديث البراء فلينظر من أخرجه ، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي نحو حديث أبي سعيد ، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد ، وأبو داود قال : قالت اليهود : العزل : الموءودة الصغرى . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كذبت اليهود ، إن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه . فإن قلت : حديث الباب ، وما في معناه يعارضه حديث جذامة بنت وهب ففيه : ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذلك الوأد الخفي " وهي وإذا الموءودة سئلت أخرجه أحمد ، ومسلم فما وجه الجمع والتوفيق بين هذين الحديثين ؟ قلت : قد اختلفوا في وجه الجمع ، فمن العلماء من جمع بينهما بحمل حديث جذامة على التنزيه ، وهذه طريقة البيهقي ، ومنهم من ضعف حديث جذامة لمعارضته لما هو أكثر منه طرقا ، قال الحافظ : وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم ، والحديث صحيح لا ريب فيه ، والجمع ممكن ، ومنهم من ادعى أنه منسوخ [ ص: 243 ] ورد بعدم معرفة التاريخ ، وقال الطحاوي : يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولا من موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ، ثم أعلمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه ، وتعقبه ابن رشد ، وابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحرم شيئا تبعا لليهود ، ثم يصرح بتكذيبهم فيه ، ومنهم من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح وضعف مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب ، وقال الحافظ : ورد بأنه إنما يقدح في حديث لا فيما يقوي بعضه بعضا ، فإنه يعمل به ، وهو هنا كذلك ، والجمع ممكن ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها موافقة لأصل الإباحة ، وحديثها يدل على المنع ، قال : فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان ، وتعقب بأن حديثها ليس صريحا في المنع ، إذ لا يلزم من تسميته وأدا خفيا على طريق التشبيه أن يكون حراما ، وجمع ابن القيم فقال الذي كذب فيه صلى الله عليه وسلم اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا ، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد . فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه ، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأد حقيقة ، وإنما وأدا خفيا في حديث جذامة ؛ لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد ، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل ، والعزل يتعلق بالقصد فقط ، فلذلك وصفه بكونه خفيا ، وهذا الجمع قوي ، كذا في النيل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث