الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 4664 ] خلف أولئك الأنبياء

قال الله (تعالى): فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا وما نتنـزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا الفاء للترتيب والتعقيب؛ فهي تفيد أنه جاء عقب هؤلاء الأطهار من تنكبوا طريقهم؛ وخرجوا عن منهاجهم؛ وليس معنى ذلك أنه لم يكن فيهم من خالف المنهاج من أقوامهم؛ بل كان كل نبي من هؤلاء الأنبياء من لقي مقاومة من قومه؛ فمن قوم نوح من قاومه؛ وقالوا: وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ؛ وهذا كان شأن كل المصطفين الأخيار؛ من [ ص: 4665 ] قووم في عصره؛ فكيف يقال: "خلف هؤلاء "؛ مع أنهم كان أمثالهم في عصرهم؛ ونقول: إن أولئك الأخلاف الذين خالفوا النبيين؛ كانوا في أقوام من أتباعهم من حرفوا أقوال النبيين؛ وحرفوا القول عن مواضعه؛ كبني إسرائيل؛ والذين حملوا إنجيل عيسى؛ كان منهم من تخلف عن هدايته؛ وتنكب عن سبيله.

وصف الله (تعالى) الأخلاف الذين انحرفوا بسبب هذا الانحراف؛ ونتيجته؛ فقال - عز من قائل -: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وذكر أسباب انحرافهم؛ فحصرها في أمرين؛ أو ذكر أن أكبر أسبابه أمران؛ الأمر الأول: أنهم "أضاعوا الصلاة "؛ ومعنى إضاعة الصلاة إضاعة الدين؛ لأنها عمود كل دين؛ وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا دين من غير صلاة "؛ فهي سمة الدين وشعاره؛ ومعنى إضاعتها إهمالها؛ أو الصلاة من غير إقامتها على وجهها؛ أو الصلاة التي فقدت الخشوع والخضوع؛ وهذا لبابها؛ أو الإتيان بصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ بل تلابسهما.

الأمر الثاني: هو اتباع الشهوات؛ فإنه إذا سيطرت الشهوات على النفس؛ وصارت سيدا مطاعا انحرف الاعتقاد تبعا لها؛ وحينئذ يتخذون إلههم هواهم؛ وكان معبودهم؛ وسرى ذلك إلى كل أعمالهم.

وقد نبه - سبحانه - إلى النتيجة من ذلك؛ فقال (تعالى): فسوف يلقون غيا "الغي ": ضد الرشاد؛ وهو الغواية؛ وهي تنكب الطريق المستقيم؛ إن اتباع الشهوات وجعل الأهواء لها السلطان الأكمل سبيل الفساد والغواية؛ وبها تنكب الرشاد; وذلك أن الهدى والعقل نقيضان؛ لا يجتمعان في قلب واحد؛ فإذا كان سلطان الهوى ذهب العقل؛ وقوله: فسوف يلقون "سوف "؛ هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل؛ وقوله (تعالى): "يلقون "؛ أي: يجدون أمامهم؛ وهو نتيجة طبيعية لترك الصلاة؛ واتباع الشهوات.

وإن الله (تعالى) الكريم يستثني المتقين الأبرار; ولذا قال (تعالى): [ ص: 4666 ] /

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث