الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا

والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم

لما ذكر وعد الله من يزوج من العبيد الفقراء بالغنى وكان من وسائل غناه أن يذهب يكتسب بعمله ، وكان ذلك لا يستقل به العبد ; لأنه في خدمة سيده [ ص: 219 ] جعل الله للعبيد حقا في الاكتساب لتحرير أنفسهم من الرق ويكون في ذلك غنى للعبد إن كان من ذوي الأزواج . أمر الله السادة بإجابة من يبتغي الكتابة من عبيدهم تحقيقا لمقصد الشريعة من بث الحرية في الأمة ، ولمقصدها من إكثار النسل في الأمة ، ولمقصدها من تزكية الأمة واستقامة دينها .

و ( الذين ) مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره ( فكاتبوهم ) . وهذا الثاني هو اختيار سيبويه والخليل .

ودخول الفاء في ( فكاتبوهم ) لتضمين الموصول معنى الشرطية كأنه قيل : إن ابتغى الكتاب ما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ، تأكيدا لترتب الخبر على تحقق مضمون صلة الموصول بأن يكون كترتب الشروط على الشرط .

والكتاب : مصدر كاتب إذا عاقد على تحصيل الحرية من الرق على قدر معين من المال يدفع لسيد العبد منجما ، أي : موزعا على مواقيت معينة ، كانوا في الغالب يوقتونها بمطالع نجوم المنازل مثل الثريا ، فلذلك سموا توقيت دفعها نجما وسموا توزيعها تنجيما ، ثم غلب ذلك في كل توقيت فيقال فيه : تنجيم . وكذلك الديات والحمالات كانوا يجعلونها موزعة على مواقيت فيسمون ذلك تنجيما ، وكان تنجيم الدية في ثلاث سنين على السواء ، قال زهير :


تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ينجمها من ليس فيها بمجرم

وسموا ذلك كتابة ; لأن السيد وعبده كانا يسجلان عقد تنجيم عوض الحرية بصك يكتبه كاتب بينهما ، فلما كان في الكتب حفظ لحق كليهما أطلق على ذلك التسجيل كتابة ; لأن ما يتضمنه هو عقد من جانبين ، وإن كان الكاتب واحدا والكتب واحدا . وفي حديث عبد الرحمن بن عوف : كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة .

ومعنى ( إن علمتم فيهم خيرا ) إن ظننتم أنهم لا يبتغون بذلك إلا تحرير أنفسهم ولا يبتغون بذلك تمكنا من الإباق ، وذلك الخير بالقدرة على الاكتساب وبصفة الأمانة ولا يلزم أن يتحقق دوام ذلك ; لأنه إن عجز عن إكمال ما عليه رجع عبدا كما كان .

[ ص: 220 ] وكانت الكتابة معروفة من عهد الجاهلية ولكنها كانت على خيار السيد فجاءت هذه الآية تأمر السادة بذلك إن رغبه العبد أو لحثه على ذلك على اختلاف بين الأيمة في محمل الأمر من قوله تعالى : ( فكاتبوهم ) . فعن عمر بن الخطاب ومسروق وعمرو بن دينار وابن عباس والضحاك وعطاء وعكرمة والظاهرية أن الكتابة واجبة على السيد إذا علم خيرا في عبده ، وقد وكله الله في ذلك إلى علمه ودينه ، واختاره الطبري وهو الراجح ; لأنه يجمع بين مقصد الشريعة وبين حفظ حق السادة في أموالهم ، فإذا عرض العبد اشتراء نفسه من سيده وجب عليه إجابته . وقد هم عمر بن الخطاب أن يضرب أنس بن مالك بالدرة لما سأله سيرين عبده أن يكاتبه فأبى أنس . وذهب الجمهور إلى حمل الأمر على الندب .

وقد ورد في السنة حديث كتابة بريرة مع سادتها وكيف أدت عنها عائشة أم المؤمنين مال الكتابة كله . وذكر ابن عطية عن النقاش ومكي بن أبي طالب أن سبب نزول هذه الآية : أن غلاما لحويطب بن عبد العزى أو لحاطب بن أبي بلتعة اسمه صبيح القبطي أو صبح سأل مولاه الكتابة فأبى عليه ، فأنزل الله هذه الآية ، فكاتبه مولاه . وفي الكشاف أن عمر بن الخطاب كاتب عبدا له يكنى أبا أمية أول عبد كوتب في الإسلام .

والظاهر أن الخطاب في قوله : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم موجه إلى سادة العبيد ليتناسق الخطابان وهو أمر للسادة بإعانة مكاتبيهم بالمال الذي أنعم الله به عليهم فيكون ذلك بالتخفيف عنهم من مقدار المال الذي وقع التكاتب عليه . وكذلك قال مالك : يوضع عن المكاتب من آخر كتابته ما تسمح به نفس السيد . وحدده بعض السلف بالربع وبعضهم بالثلث وبعضهم بالعشر .

وهذا التخفيف أطلق عليه لفظ ( الإيتاء ) وليس ثمة إيتاء ولكنه لما كان إسقاطا لما وجب على المكاتب كان ذلك بمنزلة الإعطاء كما سمي إكمال المطلق قبل البناء لمطلقته جميع الصداق عفوا في قوله تعالى : أو يعفو الذي [ ص: 221 ] بيده عقدة النكاح في قول جماعة في محمل الذي بيده عقدة النكاح منهم الشافعي .

وقال بعض المفسرين : الخطاب في قوله : ( وآتوهم ) للمسلمين ، أمرهم الله بإعانة المكاتبين .

والأمر محمول على الندب عند أكثر العلماء ، وحمله الشافعي على الوجوب . وقال إسماعيل بن حماد القاضي : وجعل الشافعي الكتابة غير واجبة وجعل الأمر بالإعطاء للوجوب فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا وهذا لا نظير له اهـ . وفيه نظر .

وإضافة المال إلى الله ; لأنه ميسر أسباب تحصيله . وفيه إيماء إلى أن الإعطاء من ذلك المال شكر والإمساك جحد للنعمة قد يتعرض به الممسك لتسلب النعمة عنه .

والموصول في قوله الذي ( آتاكم ) يجوز أن يكون وصفا لـ ( مال الله ) ويكون العائد محذوفا تقديره : آتاكموه . ويجوز أن يكون وصفا لاسم الجلالة فيكون امتنانا وحثا على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة ويكون مفعول ( آتاكم ) محذوفا للعموم ، أي : آتاكم على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة ، ويكون مفعول ( آتاكم ) محذوفا للعموم ، أي آتاكم نعما كثيرة كقوله : وآتاكم من كل ما سألتموه .

وأحكام الكتابة وعجز المكاتب عن أداء نجومه ورجوعه مملوكا وموت المكاتب وميراث الكتابة وأداء أبناء المكاتب نجوم كتابته مبسوطة في كتب الفروع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث