الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم

ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون عطف على جملة يريد الله بكم اليسر إلخ ؛ إذ هي في موقع العلة كما علمت ؛ فإن مجموع هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله : فمن شهد منكم الشهر إلى قوله : فعدة من أيام أخر ، واللام في قوله : ( ولتكبروا ) تسمى شبه الزائدة ، وهي اللام التي يكثر وقوعها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر ؛ أي : مادة أمر ؛ اللذين مفعولهما أن المصدرية مع فعلها ، فحق ذلك [ ص: 176 ] المفعول أن يتعدى إليه فعل الإرادة وفعل مادة الأمر بنفسه دون حرف الجر ، ولكن كثر في الكلام تعديته باللام نحو قوله تعالى : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم قال في الكشاف : أصله يريدون أن يطفئوا ، ومنه قوله تعالى : وأمرت لأن أكون أول المسلمين والفعل الذي بعد اللام منصوب بأن ظاهرة أو مقدرة .

والمعنى : يريد الله أن تكملوا العدة ، وأن تكبروا الله ، وإكمال العدة يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة ، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها ، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف .

وقرأ الجمهور : ( ولتكملوا ) بسكون الكاف وتخفيف الميم مضارع أكمل ، وقرأه أبو بكر ، عن عاصم ويعقوب بفتح الكاف وتشديد الميم مضارع كمل .

وقوله : ولتكبروا الله على ما هداكم عطف على قوله : ولتكملوا العدة ، وهذا يتضمن تعليلا ، وهو في معنى علة غير متضمنة لحكمة ، ولكنها متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى ، وهو أن يكبروه .

والتكبير تفعيل مراد به النسبة والتوصيف ؛ أي : أن تنسبوا الله إلى الكبر ، والنسبة هنا نسبة بالقول اللساني ، والكبر هنا كبر معنوي لا جسمي فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها ؛ أي : لتصفوا الله بالعظمة ، وذلك بأن تقولوا : الله أكبر ، فالتفعيل هنا مأخوذ من فعل المنحوت من قول يقوله ، مثل قولهم : بسمل وحمدل وهلل ، وقد تقدم عند الكلام على البسملة ؛ أي : لتقولوا : الله أكبر ، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الواقع كالحكماء والملوك والسادة والقادة ، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة ، وإثبات الأعظمية لله في كلمة ( الله أكبر ) كناية عن وحدانيته بالإلهية ؛ لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه والناقص غير مستحق للإلهية ؛ لأن حقيقتها لا تلاقي شيئا من النقص ، ولذلك شرع التكبير في الصلاة لإبطال ما كانوا يتقربون به إلى أصنامهم ، وكذلك شرع التكبير عند انتهاء الصيام بهذه الآية ، فمن أجل ذلك مضت السنة بأن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد ، ويكبر الإمام في خطبة العيد .

[ ص: 177 ] وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء ، فكان لقول المسلم : الله أكبر ، إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام .

وقوله : ( ولعلكم تشكرون ) تعليل آخر ، وهو أعم من مضمون جملة ولتكبروا الله على ما هداكم فإن التكبير تعظيم يتضمن شكرا والشكر أعم ؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى ، ويكون بفعل القرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر ، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر .

وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير ؛ إذ جعلته مما يريده الله ، وهو غير مفصل في لفظ التكبير ، ومجمل في وقت التكبير وعدده ، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال .

فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر ، والمشهور في السنة أنه يكرر الله أكبر ثلاثا ، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي ، وقال مالك والشافعي : إذا شاء المرء زاد على التكبير تهليلا وتحميدا فهو حسن ولا يترك الله أكبر ، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين ثم قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ، وهو قول ابن عمر وابن عباس ، وقال أحمد : هو واسع ، وقال أبو حنيفة : لا يجزئ غير ثلاث تكبيرات .

وأما وقته : فتكبير الفطر يبتدئ من وقت خروج المصلي من بيته إلى محل الصلاة ، وكذلك الإمام ومن خرج معه ، فإذا بلغ محل الصلاة قطع التكبير ، ويسن في أول كل ركعة من ركعتي صلاة العيد افتتاح الأولى بسبع تكبيرات والثانية بست ، هذا هو الأصح مما ثبت في الأخبار وعمل به أهل المدينة من عهد النبيء صلى الله عليه وسلم فما بعده وتلقاه جمهور علماء الأمصار ، وفيه خلاف كثير لا فائدة في التطويل بذكره والأمر واسع ، ثم يكبر الإمام في خطبة صلاة العيد بعد الصلاة ويكبر معه المصلون حين تكبيره وينصتون للخطبة فيما سوى التكبير .

وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشافعي : يكبر الناس من وقت استهلال هلال الفطر إلى انقضاء صلاة العيد ثم ينقطع التكبير ، هذا كله في الفطر ، فهو مورد الآية التي نحن بصدد تفسيرها .

[ ص: 178 ] فأما في الأضحى فيزاد على ما يذكر في الفطر التكبير عقب الصلوات المفروضة من صلاة الظهر من يوم الأضحى إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه ، ويأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث