الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين

جزء التالي صفحة
السابق

ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون

قرئ: (ومن يعش) بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل: عشي. وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا. ونظيره: عرج، لمن به الآفة. وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرج. قال الحطيئة [من الطويل]:

[ ص: 442 ]

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره



أي: تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء. وهو بين في قول حاتم [من الكامل]:


أعشو إذا ما جارتي برزت     حتى يواري جارتي الخدر



[ ص: 443 ] وقرئ: (يعشوا) على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط. وحق هذا القارئ أن يرفع نقيض. ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن، كقوله تعالى: صم بكم عمي [البقرة: 18] وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره، أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [النمل: 14] نقيض له شيطانا نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله تعالى: [ ص: 444 ] وقيضنا لهم قرناء [فصلت: 25]، ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين [مريم: 83] وقرئ: (يقيض) أي: يقيض له الرحمن ويقيض له الشيطان. فإن قلت: لم جمع ضمير من وضمير الشيطان في قوله: وإنهم ليصدونهم ؟ قلت: لأن "من" مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحدين: جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا. حتى إذا جاءنا العاشي. وقرئ: (جاآنا) على أن الفعل له ولشيطانه. "قال" لشيطانه يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين يريد المشرق والمغرب، فغلب كما قيل: العمران والقمران. فإن قلت: فما بعد المشرقين؟ قلت: تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق. فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية: أضاف البعد إليهما. "أنكم" في محل الرفع على الفاعلية، يعني: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه; لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه، وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته، ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله: يا ليت بيني وبينك على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين. وقوله: أنكم في العذاب مشتركون تعليل، أي: لن ينفعكم تمنيكم; لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركون في سببه وهو الكفر. وتقويه قراءة من قرأ: (إنكم) بالكسر وقيل: إذا رأى الممنو بشدة من منى بمثلها: روحه ذلك ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء [من الوافر]:


أعزي النفس عنه بالتأسي



[ ص: 445 ] فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم; لعظم ما هم فيه. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: إذ ظلمتم ؟ قلت: معناه: إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين، وذلك يوم القيامة. وإذ: بدل من اليوم. ونظيره [من الطويل]:


إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة



أي: تبين أني ولد كريمة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث