الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي

فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام

الفاء للعطف على ( أحصرتم ) إن كان المراد من الأمن زوال الإحصار المتقدم ، ولعلها نزلت بعد أن فرض الحج ؛ لأن فيها ذكر التمتع وذكر صيام المتمتع إن لم يجد هديا ثلاثة أيام في مدة الحج وسبعة إذا رجع إلى أفقه ، وذلك لا يكون إلا بعد تمكنهم من فعل الحج ، والفاء لمجرد التعقيب الذكري .

وجيء بـ ( إذا ) لأن فعل الشرط مرغوب فيه ، والأمن ضد الخوف ، وهو أيضا السلامة من كل ما يخاف منه . أمن كفرح أمنا ، أمانا ، وأمنا ، وأمنة ، وإمنا بكسر الهمزة ، وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه ، فيتعدى بـ " من " ، تقول : أمنت من العدو ، ويتعدى إلى المأمون ، تقول : أمنت فلانا إذا جعلته آمنا منك ، والأظهر أن الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه ، وفي القرآن ثم أبلغه مأمنه فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم ، فدل على عدم الخوف من القتال ، وقد تقدم في قوله تعالى : رب اجعل هذا بلدا آمنا .

[ ص: 226 ] وهذا دليل على المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ، ولذلك قيل : " إذا أمنتم " ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم ، فلا مفهوم للشرط هنا ؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة ، فالآية دلت على حكم العمرة ؛ لأنها لا تكون إلا مع الأمن ، وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا ، ويعلم حكم المريض ونحوه إذا زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف .

وقوله : فمن تمتع جواب " إذا " والتقدير : فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا إلى عام قابل ، واغتنموا خير العمرة ، فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضا عن هدي الحج ، فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة ، وأن قوله : فإذا أمنتم أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة ، وقد فات وقت الحج ، أي : أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج ، ويعلم أن من أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج ؛ عليه أن يحج .

ومعنى تمتع بالعمرة إلى الحج انتفع بالعمرة عاجلا ، والانتفاع بها إما بمعنى الانتفاع بثوابها ، أو بسقوط وجوبها إن قيل : إنها واجبة مع إسقاط السفر لها ، إذ هو قد أداها في سفر الحج ، وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم إعادة الإحرام بالحج ، فانتفع بألا يبقى في كلفة الإحرام مدة طويلة ، وهذا رخصة من الله تعالى ؛ إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظورا في عهد الجاهلية ؛ إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور .

فالباء في قوله : ( بالعمرة ) صلة فعل ( تمتع ) ، وقوله : إلى الحج متعلق بمحذوف دل عليه معنى ( إلى ) متربصا إلى وقت الحج أو بالغا إلى وقت الحج ؛ أي : أيامه ؛ وهي عشر ذي الحجة ، وقد فهم من كلمة " إلى " أن بين العمرة والحج زمنا لا يكون فيه المعتمر محرما ، وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران ، فعليه ما استيسره من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين ، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم ، والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي ؛ أي : الانتفاع وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية ، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك قبل الرجوع إلى أفقه ، وخص القران بأن يقترن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج [ ص: 227 ] على العمرة ، كل ذلك شرعه الله رخصة للناس ، وإبطالا لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج ، وفرض الله عليه الهدي جبرا لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ، ولذلك سماه تمتعا .

وقد اختلف السلف في التمتع وفي صفته ، فالجمهور على جوازه ، وأنه يحل من عمرته التي أحرم بها في أشهر الحج ثم يحرم بعد ذلك في حجة في عامه ذلك ، وكان عثمان بن عفان لا يرى التمتع وينهى عنه في خلافته ، ولعله كان يتأول هذه الآية بمثل ما تأولها ابن الزبير كما يأتي قريبا ، وخالفه علي وعمران بن حصين ، وفي البخاري عن عمران بن حصين : تمتعنا على عهد النبيء ونزل القرآن ثم قال رجل منا برأيه ما شاء ؛ يريد عثمان وكان عمر بن الخطاب لا يرى للقارن إذا أحرم بعمرة وبحجة معا وتمم السعي بين الصفا والمروة أن يحل من إحرامه حتى يحل من إحرام حجه ، فقال له أبو موسى الأشعري إني جئت من اليمن فوجدت رسول الله بمكة محرما ؛ أي : عام الوداع ، فقال لي : بم أهللت ؟ قلت : أهللت بإهلال كإهلال النبيء ، فقال لي : هل معك هدي . قلت : لا . فأمرني فطفت وسعيت فأحللت وغسلت رأسي ومشطتني امرأة من عبد القيس ، فلما حدث أبو موسى عمر بهذا قال عمر : إن نأخذ بكتاب الله فهو يأمرنا بالإتمام ، وإن نأخذ بسنة رسوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله ، وجمهور الصحابة والفقهاء يخالفون رأي عمر ويأخذون بخبر أبي موسى ، وبحديث علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن معي الهدي لأحللت ، وقد ينسب بعض الناس إلى عمر أنه لا يرى جواز التمتع ، وهو وهم ، وإنما رأي عمر لا يجوز الإحلال من العمرة في التمتع إلى أن يحل من الحج ، وذلك معنى قوله : فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله ، فلعله رأى الإحلال للمتلبس بنية الحج منافيا لنيته ، وهو ما عبر عنه بالإتمام ، ولعله كان لا يرى الآحاد مخصصا للمتواتر من كتاب أو سنة ؛ لأن فعل النبيء صلى الله عليه وسلم هنا متواتر ، إذ قد شهده كثير من أصحابه ونقلوا حجه وأنه أهل بها جميعا .

نعم كان أبو بكر وعمر يريان إفراد الحج أفضل من التمتع والقران ، وبه أخذ مالك ، روى عنه محمد بن الحسن أنه يرجح أحد الحديثين المتعارضين بعمل الشيخين ، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يرى التمتع خاصا بالمحصر إذا تمكن من الوصول إلى البيت بعد أن فاته وقوف [ ص: 228 ] عرفة ، فيجعل حجته عمرة ، ويحج في العام القابل ، وتأول قوله تعالى : إلى الحج أي : إلى وقت الحج القابل ، والجمهور يقولون : إلى الحج أي : إلى أيام الحج .

وقوله : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام الآية ، عطفت على فمن تمتع لأن فمن تمتع مع جوابه وهو فما استيسر مقدر فيه معنى " فمن تمتع واجدا الهدي " فعطفت عليه فمن لم يجد

وجعل الله الصيام بدلا عن الهدي زيادة في الرخصة والرحمة ، ولذلك شرع الصوم مفرقا فجعله عشرة أيام ؛ ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج .

فقوله : في الحج أي : في أشهره إن كان أمكنه الاعتمار قبل انقضاء مدة الحج ، فإن لم يدرك الحج واعتمر فتلك صفة أخرى لا تعرض إليها في الآية .

وقوله : تلك عشرة كاملة فذلكة الحساب ؛ أي : جامعته ، فالحاسب إذا ذكر عددين فصاعدا قال عند إرادة جمع الأعداد : فذلك - أي : المعدود - كذا ، فصيغت لهذا القول صيغة نحت ، مثل : بسمل ؛ إذا قال باسم الله ، وحوقل ؛ إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله ، فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك ، كما قال الأعشى :

ثلاث بالغداة فهن حسبي وست حين يدركني العشاء     فذلك تسعة في اليوم ريي
وشرب المرء فوق الري داء

فلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب ، غلب إطلاق اسم الفذلكة على خلاصة جمع الأعداد ، وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة ( ذلك ) كما نقول في قوله تلك عشرة كاملة : إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ تلك لا لفظ ذلك ، ومثله قول الفرزدق :


ثلاث واثنتان فتلك خمس     وسادسة تميل إلى الشمام

أي : إلى الشم والتقبيل

وفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه ، فقيل هو مجرد توكيد ، كما تقول : كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على أسلوب عربي ، ولا يفيد إلا تقرير الحكم في الذهن مرتين ، ولذلك قال صاحب الكشاف لما ذكر مثله : كقول العرب : علمان خير من علم .

وعن المبرد : أنه تأكيد لدفع توهم أن يكون بقي شيء مما يجب صومه ، وقال الزجاج : قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلا [ ص: 229 ] من الثلاثة ، أزيل ذلك بجلية المراد بقوله : تلك عشرة وتبعه صاحب الكشاف فقال : الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك : جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفيا لتوهم الإباحة ا هـ . وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا يتعين .

وفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول : إن هذا المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له ، وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر ، لا أنه قد يتوهم من حيث إن الله ذكر عددين في حالتين مختلفتين ، وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما ، فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير ، فبين الله ما يدفع هذا التوهم ، بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام ، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه ، فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية .

ونظيره قوله تعالى : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة إذ دل على أنه أراد من موسى عليه السلام مناجاة أربعين ليلة ، ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيرا .

وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة ، فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة ؛ لأنهما عددان مباركان ، ولكن فائدة التوزيع ظاهرة ، وحكمة كون التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة ؛ لاختلاف حالة الاشتغال بالحج ففيها مشقة ، وحالة الاستقرار بالمنزل .

وفائدة جعل بعض الصوم في مدة الحج جعل بعض العبادة عند سببها ، وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية .

وأما قول ( كاملة ) فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء ، مع التنويه بذلك الصوم ، وأنه طريق كمال لصائمه ، فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازه .

وقوله : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام إشارة إلى أقرب شيء في الكلام ، وهو هدي التمتع أو بدله وهو الصيام ، والمعنى أن الهدي على الغريب منمكة كي لا يعيد السفر للعمرة ، فأما المكي فلم ينتفع بالاستغناء عن إعادة السفر فلذا لم يكن عليه هدي ، وهذا [ ص: 230 ] قول مالك والشافعي والجمهور ، فلذلك لم يكن عندهما على أهل مكة هدي في التمتع والقران ؛ لأنهم لا مشقة عليهم في إعادة العمرة ، وقال أبو حنيفة : الإشارة إلى جميع ما يتضمنه الكلام السابق على اسم الإشارة وهو التمتع بالعمرة مع الحج ووجوب الهدي ، فهو لا يرى التمتع والقران لأهل مكة وهو وجه من النظر .

وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها ، واختلف في تحديد ما جاورها ، فقال مالك : ما اتصل بمكة وذلك من ذي طوى على أميال قليلة من مكة . وقال الشافعي : من كان من مكة على مسافة القصر ونسبه ابن حبيب إلى مالك وغلطه شيوخ المذهب .

وقال عطاء : حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة ، ومر ، وعرنة ، وضجنان ، والرجيع ، وقال الزهري : أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه ، وقال ابن زيد : أهل مكة وذي طوى ، وفج ، وما يلي ذلك .

وقال طاوس : حاضرو المسجد الحرام كل من كان داخل الحرم ، وقال أبو حنيفة : هم من كانوا داخل المواقيت ، سواء كانوا مكيين أو غيرهم ، ساكني الحرم أو الحل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث