الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله

فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام

الفاء عاطفة على قوله : فلا رفث ولا فسوق الآية ، عطف الأمر على النهي ، وقوله : ( إذا أفضتم ) شرط للمقصود وهو : فاذكروا الله

والإفاضة هنا : الخروج بسرعة ، وأصلها من فاض الماء إذا كثر على ما يحويه ، فبرز منه وسال ؛ ولذلك سموا إجالة القداح في الميسر إفاضة والمجيل مفيضا ؛ لأنه يخرج القداح من الربابة بقوة وسرعة ؛ أي : بدون تخير ولا جس لينظر القدح الذي يخرج ، وسموا الخروج من عرفة إفاضة ؛ لأنهم يخرجون في وقت واحد وهم عدد كثير فتكون لخروجهم شدة ، والإفاضة أطلقت في هاته الآية على الخروج من عرفة والخروج من مزدلفة .

والعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدفع ، ويسمون الخروج من مزدلفة إفاضة ، وكلا الإطلاقين مجاز ؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة ، ومن بلاغة القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين ؛ لما في " أفاض " من قرب المشابهة من حيث معنى الكثرة دون الشدة .

ولأن في تجنب " دفعتم " تجنبا لتوهم السامعين أن السير مشتمل على دفع بعض الناس بعضا ؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضوضاء وجلبة وسرعة سير ، فنهاهم النبيء صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حجة الوداع ، وقال : ليس البر بالإيضاع فإذا أفضتم فعليكم بالسكينة والوقار .

و ( عرفات ) اسم واد ، ويقال : بطن ، وهو مسيل متسع تنحدر إليه مياه جبال تحيط به تعرف بجبال عرفة بالإفراد ، وقد جعل عرفات علما على ذلك الوادي بصيغة الجمع بألف وتاء ، ويقال له : عرفة بصيغة المفرد ، وقال الفراء : قول الناس يوم عرفة مولد ليس بعربي محض ، وخالفه أكثر أهل العلم فقالوا : يقال عرفات وعرفة ، وقد جاء في عدة أحاديث : يوم عرفة ، وقال بعض أهل اللغة : لا يقال : يوم عرفات ، وفي وسط وادي عرفة جبيل يقف عليه ناس ممن يقفون بعرفة ويخطب عليه الخطيب بالناس يوم تاسع ذي الحجة عند الظهر ، ووقف عليه [ ص: 239 ] النبيء صلى الله عليه وسلم راكبا يوم عرفة ، وبني في أعلى ذلك الجبيل علم في الموضع الذي وقف فيه النبيء عليه الصلاة والسلام فيقف الأئمة يوم عرفة عنده .

ولا يدرى وجه اشتقاق في تسمية المكان عرفات أو عرفة ، ولا أنه علم منقول أو مرتجل ، والذي اختاره الزمخشري وابن عطية أنه علم مرتجل ، والذي يظهر أن أحد الاسمين أصل ، والآخر طارئ عليه ، وأن الأصل عرفات من العربية القديمة ، وأن عرفة تخفيف جرى على الألسنة ، ويحتمل أن يكون الأصل عرفة وأن عرفات إشباع من لغة بعض القبائل .

وذكر ( عرفات ) باسمه في القرآن يشير إلى أن الوقوف بعرفة ركن الحج ، وقال النبيء صلى الله عليه وسلم الحج عرفة .

سمي الموضع عرفات ؛ الذي هو على زنة الجمع بألف وتاء ، فعاملوه معاملة الجمع بألف وتاء ، ولم يمنعوه الصرف مع وجود العلمية .

وجمع المؤنث لا يمنع من الصرف ؛ لأن الجمع يزيل ما في المفرد من العلمية ، إذ الجمع بتقدير مسميات بكذا ، فما جمع إلا بعد قصد تنكيره ، فالتأنيث الذي يمنع الصرف مع العلمية أو الوصفية هو التأنيث بالهاء .

وذكر الإفاضة من عرفات يقتضي سبق الوقوف به ؛ لأنه لا إفاضة إلا بعد الحلول بها ، وذكر عرفات باسمه تنويه به يدل على أن الوقوف به ركن ، فلم يذكر من المناسك باسمه غير عرفة والصفا والمروة ، وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان ، خلافا لأبي حنيفة في الصفا والمروة ، ويؤخذ ركن الإحرام من قوله : فمن فرض فيهن الحج ، وأما طواف الإفاضة فثبت بالسنة وإجماع الفقهاء .

و ( من ) ابتدائية .

والمعنى : فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المزدلفة .

والتصريح باسم عرفات في هذه الآية للرد على قريش ؛ إذ كانوا في الجاهلية يقفون في جمع وهو المزدلفة ؛ لأنهم حمس ، فيرون أن الوقوف لا يكون خارج الحرم ، ولما كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها ولا يرضون بالوقوف بعرفة ؛ لأن عرفة من الحل كما سيأتي ، ولهذا لم يذكر الله تعالى المزدلفة في الإفاضة الثانية باسمها وقال : من حيث أفاض الناس [ ص: 240 ] لأن المزدلفة هو المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة عرفات ، فذلك حوالة على ما يعلمونه .

و ( المشعر ) اسم مشتق من الشعور أي : العلم ، أو من الشعار أي : العلامة ؛ لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية ، ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر المساء فيدركهم غبس ما بعد الغروب وهم جماعات كثيرة ، فخشوا أن يضلوا الطريق فيضيق عليهم الوقت .

ووصف المشعر بوصف ( الحرام ) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات .

والمشعر الحرام هو المزدلفة ، سميت مزدلفة ؛ لأنها ازدلفت من منى ؛ أي : اقتربت ؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في منى .

ويقال للمزدلفة أيضا جمع لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها ، الحمس وغيرهم من عهد الجاهلية ، قال أبو ذؤيب :


فبات بجمع ثم راح إلى منى فأصبح رادا يبتغي المزج بالسحل

فمن قال : إن تسميتها جمعا ؛ لأنها يجمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن كونه اسما من عهد ما قبل الإسلام .

وتسمى المزدلفة أيضا قزح - بقاف مضمومة ، وزاي مفتوحة ، ممنوعا من الصرف - باسم قرن جبل بين جبال من طرف مزدلفة ويقال له : الميقدة ؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا يوقدون عليه النيران ، وهو موقف قريش في الجاهلية ، وموقف الإمام في المزدلفة على قزح .

روى أبو داود والترمذي أن النبيء صلى الله عليه وسلم لما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه وقال : هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ، ومذهب مالك أن المبيت سنة ، وأما النزول حصة فواجب .

وذهب علقمة وجماعة من التابعين والأوزاعي إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من الحج فمن فاته بطل حجه تمسكا بظاهر الأمر في قوله : فاذكروا الله .

[ ص: 241 ] وقد كانت العرب في الجاهلية لا يفيضون من عرفة إلى المزدلفة حتى يجيزهم أحد ( بني صوفة ) وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وكانت أمه جرهمية ، لقب الغوث بصوفة ؛ لأن أمه كانت لا تلد فنذرت إن هي ولدت ذكرا أن تجعله لخدمة الكعبة فولدت الغوث ، وكانوا يجعلون صوفة يربطون بها شعر رأس الصبي الذي ينذرونه لخدمة الكعبة وتسمى الربيط ، فكان الغوث يلي أمر الكعبة مع أخواله من جرهم فلما غلب قصي بن كلاب على الكعبة جعل الإجازة للغوث ثم بقيت في بنيه حتى انقرضوا ، وقيل : إن الذي جعل أبناء الغوث لإجازة الحاج هم ملوك كندة ، فكان الذي يجيز بهم من عرفة يقول :


لاهم إني تابع تباعه     إن كان إثم فعلى قضاعه



لأن قضاعة كانت تحل الأشهر الحرم ، ولما انقرض أبناء صوفة صارت الإجازة لبني سعد بن زيد مناءة بن تميم ، ورثوها بالقعدد فكانت في آل صفوان منهم ، وجاء الإسلام وهي بيد كرب بن صفوان قال أوس بن مغراء :


لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم     حتى يقال أجيزوا آل صفوانا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث