الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا

[ ص: 189 ] تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين

انتهت قصة قارون بما فيها من العبر من خير وشر ، فأعقبت باستئناف كلام عن الجزاء على الخير وضده في الحياة الأبدية وأنها معدة للذين حالهم بضد حال قارون ، مع مناسبة ذكر الجنة بعنوان الدار لذكر الخسف بدار قارون للمقابلة بين دار زائلة ودار خالدة .

وابتدئ الكلام بابتداء مشوق وهو اسم الإشارة إلى غير مذكور من قبل ؛ ليستشرف السامع إلى معرفة المشار إليه فيعقبه بيانه بالاسم المعرف باللام الواقع بيانا أو بدلا من اسم الإشارة كما في قول عبيد بن الأبرص :


تلك عرسي غضبى تريد زيالي ألبين تريد أم لدلال

الأبيات .

وجملة نجعلها هو خبر المبتدأ ، وكاف الخطاب الذي في اسم الإشارة غير مراد به مخاطب معين - موجه إلى كل سامع من قراء القرآن . ويجوز أن يكون خطابا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - والمقصود تبليغه إلى الأمة شأن جميع آي القرآن .

والدار : محل السكنى ، كقوله تعالى : لهم دار السلام عند ربهم في الأنعام . وأما إطلاق الدار على جهنم في قوله تعالى : وأحلوا قومهم دار البوار فهو تهكم كقول أبي الغول الطهوي :


ولا يرعون أكناف الهوينـا     إذا نزلوا ولا روض الهدون

فاستعمال الروض للهدون تهكم ؛ لأن المقام مقام تعريض .

والآخرة : مراد به الدائمة ، أي التي لا دار بعدها ، فاللفظ مستعمل في صريح معناه وكنايته .

ومعنى جعلها لهم : أنها محضرة لأجلهم ليس لهم غيرها . وأما من عداهم فلهم أحوال ذات مراتب أفصحت عنها آيات أخرى وأخبار نبوية ، فإن أحكام الدين لا يقتصر في استنباطها على لوك كلمة واحدة .

[ ص: 190 ] وعن الفضيل بن عياض أنه قرأ هذه الآية ثم قال : ذهبت الأماني هاهنا ، أي أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء ، وأن المؤمنين كلهم ناجون من العقاب ، وهذا قول المرجئة ، قال قائلهم :


كن مسلما ومن الذنوب فلا تخف     حاشا المهيمن أن يري تنكـيدا
لو شاء أن يصليك نار جهنم     ما كان ألهم قلبك الـتوحـيدا

ومعنى لا يريدون كناية عن : لا يفعلون ؛ لأن من لا يريد الفعل لا يفعله إلا مكرها . وهذا من باب ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض كما تقدم في أول هذه السورة .

والعلو : التكبر عن الحق وعلى الخلق ، والطغيان في الأعمال ، والفساد : ضد الصلاح ، وهو كل فعل مذموم في الشريعة أو لدى أهل العقول الراجحة .

وقوله : والعاقبة للمتقين تذييل وهو معطوف على جملة " تلك الدار " ، وبه صارت جملة تلك الدار كلها تذييلا ؛ لما اشتملت عليه من إثبات الحكم للعام بالموصول من قوله : للذين لا يريدون علوا في الأرض والمعرف بلام الاستغراق .

والعاقبة : وصف عومل معاملة الأسماء ؛ لكثرة الوصف به وهي الحالة الآخرة بعد حالة سابقة ، وغلب إطلاقها على عاقبة الخير . وتقدم عند قوله تعالى : فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين في أول الأنعام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث